المقالات

نافذة على وطن

عند شرفة غرفته المطلة على الصمت، يفكر في حال البلاد وشؤونها، كيف يداوي جرحاً التهب بمرور الزمن..؟!! في وطنه الممزق بخناجر الغدر والتخلي، يود أن يكون العطار الذي سيصلح ما أفسدته الأيام، لم يشف من داء الاشتياق والحنين بعد، يتمنى لو يصاب بزهايمر اللوعة، فكلما نَخَزَتْ أشواك الصبار أيدي مدينته، زاد ألمه وتضاعفت أحلامه بكل ما هو جميل.
هو المصاب بلعنة الارتباط بأفكارٍ أفلاطونية ترقى إلى مستوى المثالية والكمال، يحبذ عولمة الحب والحرص على إرثٍ حضاري تمتاز به تلك البلاد، وطنٌ كلما رفع رأسه أتته النكبات والمصائب مجتمعةً، وكأن قدره أن يشقى في عتمة التخلف والجهل ليبقى أسير الحرمان والتطور بعد أن عبثَتْ به رياح السموم وعواصف الخطط المحبِطة لكل مشاريع الحداثة والتقدم إلى مصاف الكثير من البلدان المزروعة ببذور الحرص والنجاح والإرادة الحقيقية لبناء مجتمعٍ مزدهر وأرضٍ يُحصَدْ ثمار قمحها المحمول بسنابل الأمل.
ذلك الحلم المستعصي بوطنٍ تحيا فيه دون أن يعتريك القلق والخوف مما هو قادم، تشرق شمسه لينضج الكبرياء داخلك كخبز الصباح الشهي، تستظل تحت سقف سمائه دون أن تخشى البلل، تستحم بأضواء طرقاته وترشق ماء صحوته فوق وجهك المبتسم ابتهالاً.
تبنى الأوطان بضمائر حية، بعيونٍ ساهرة تراقب الوقت والساعات، بنوايا طيبة وإدراكٍ عميق بما ستصل إليه، عليك أن تحبه كعائلتك وأبويك كي يسمو ويرتقي، هو أرضك الطاهرة الوفية التي طالما انتظرَتْكَ لتحملها وتحملك إلى مبتغاك في تحقيق ذات كل ساكنيها، عليك أن تداويها إذا توعَّكَتْ، تشرف على سقمها وتحارب فيروسات العفن المناهضة لشفائها.
المحب وحده من يتصل وريده بأوردة من يحب، حتى تراب الوطن يُنقل ويُباع ويرحل، لكن صخور أساسه لن تتكسر طالما لم تخذلها بزلازل بغضك وحقدك، طمعك وجشعك، يأسك وغريزتك.
تحوم الغربان فوق جيفته، يصلها عطر دمه ليغريها، لتنقضَّ عليه حين يضيق الوقت بها، ذلك الجريح النازف الملطخ بجروح أدمَتْهُ إثر انقضاض وحوش الأزمات لينهشوا لحم خيره دون رحمة أو حسبان لكوارث مصيره.
تلك الأرض الطيبة، لاتستحق إلا قلوباً تحن لها وإليها، ترعاها بعناية إلهية وحُبٍ لطيب خصوبتها وجمالها، أيدٍ تجتث كل الأعشاب البرية الضارة، وتضع الياسمين بديلاً لها ليضوع العطر في أرجاء الكون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق