المقالات

عدل الغربان… وظلم الإنسان

يعتبر طائر الغراب من الطيور المصاحبة للإنسان منذ أن وطأت البشرية أقدامها المعمورة، ومنذ تلك الفترة إلى يومنا هذا بقي هذا الطائر محافظاً على تواصله مع الانسان لآلاف السنين فاتخذ مقر سكناه بالقرب من معايش ومساكن البشر ولايزال إلى اليوم. وحتى نكون منصفين مع أنفسنا وللتاريخ فإن لهذا الطائر الفضل بعد الله على ابن آدم منذ وطأت أقدام البشرية الأرض، وكيف لا يكون كذلك، فهو أول من علَّم ابن آدم دفن الأجساد ومواراتها التراب بعد الموت، فحينما قتل قابيل أخاه هابيل ظلَّ متحيراً وعجِزَ عن ايجاد طريقة للتخلص من الجسد وأخذ يحمله على عاتقه ويطوف به بالأرض هائماً، فبعث الله الغراب لِيُعَلِّمَهُ ما لم يكن يعلم من أمور الدفن وكيفية التخلص من الجسد، فدوَّنَ الغراب بفطرته وتعليمه لبني آدم في قاموس وسِجِلْ البشرية هذه الشريعة والتي أصبحت سنة من سنن الله لعباده في الأرض في دفن الأموات وعودتها للتراب.
فلا عجب في ذلك من قانون ودستور هذا الطائر فله ما يميزه عن الكثير من الطيور، فمثلاً تجده يطلب رزقه في الصباح الباكر ويكون شديد الحذر، كما أنه يقوم بتخزين الفائض من رزقه لحين الحاجة إليه، ولا يعتدي أو يخترق النظام المتبع في مجموعته، وعند حصول أي اعتداء من أي طائر بالمجموعة تتم محاكمته مباشرة عن طريق مجموعة مختصة من الغربان، وتطبق عليه العقوبة مهما كانت قسوتها، حتى اذا استدعى الأمر القتل في حالة اعتدائه على أنثى غيره. ومن فطرة هذا الطائر أيضاً الدفن فتقوم المجموعة بدفن الغراب في حالة الموت ولا تتركه كبقية الطيور، وتهتم بهذه الفطرة لأبعد الحدود. فإن كان هذا عدل وشريعة الغربان فيما بينها واحترامها لفطرتها وقوانينها أفلا نخجل نحن بني البشر سادة المخلوقات بما نقترفه فيما بيننا من اعتداء على حقوق بعضنا وظلمنا لأنفسنا قبل الآخرين، ما كنا لننسلخ من آدميتنا وأخلاقنا وننجرف مع سيول الفجور والظلم والبهتان والتمرد على بعضنا البعض، أصبحنا مكبلين في أغلال الدنيا وملذاتها وصراعاتها.
ارتضينا عبادة الدنيا وشهواتها وقد أُمِرنا لنكون عبيداً لرب الدنيا وخالقها. أخذتنا أمواج الدنيا وأبحرت بنا في مغرياتها الزائفة المتقلبة المتلونة، بنينا قصورنا وتناسينا قبورنا دُعينا لننفق فأمسكنا، تقاتلنا وما تراحمنا، تباعدنا وقد أُمِرنا بالتقارب والتراحم، استبدلنا التواضع بالتكبر والتفاخر، والقناعة بالطمع والجشع والمودة بالعداوة، اشترينا سخط الخالق بطاعة المخلوق ورضاه، فأي عدل لدى الغربان وأي فجورٍ وجهلٍ لدى الإنسان؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق