المقالات

وأرى الشفاء وما إليه سبيل

مصيبة أن تری علاجك إلا أنك لا تستطيع الحصول عليه وهذا شطر من قصيدة لجرير بن عطية ألم به هارون الرشيد فقال:
أرى ماء وبي عطش شديد
ولكن لا سبيل إلى الوصول
ولقصيدة جرير قصة لطيفة فقد روى المبرد أن جريرا في أول دخوله العراق دخل على الحكم بن أيوب بن أبي عقيل الثقفي وهو ابن عم الحجاج بن يوسف وعامله على البصرة فارتجز جرير بين يدي الحكم قائلا:
أقبلن من ثهلان أو وادي خيم
على قلاص مثل خيطان السلم
إذا قطعن علما بدا علم
حتى أنخناها الى باب الحكم
خليفة الحجاج غير المتهم
في ضئص المجد وبحبوح الكرم
فأعجب به الحكم وأرسل الى الحجاج أنه قدم علي أعرابي باقعة «داهية» لم أر مثله، فكتب إليه الحجاج أن يحمله إليه، فحمله أيوب الى الحجاج فلما دخل عليه قال له الحجاج : بلغني أنك ذو بديهة فقل في هذه الجارية «لجارية قائمة على رأسه» فقال جرير: مالي أن أقول فيها حتى أتأملها ولا يحق لي أن أتأمل جارية الأمير، فقال الحجاج : بلى تأملها واسألها، فقال لها جرير: ما اسمك يا جارية؟ فأمسكت ولم تجبه، فقال لها الحجاج : خبریه یا لخناء، فقالت : أمامة، فقال جرير:
ودع أمامة حان منك رحيل
ان الوداع لمن تحب قليل
مثل الكثيب تمايلت أعطافه
فالريح تجبر متنه وتهيل
هذي القلوب صوادیا تیمتها
وأرى الشفاء وما إليه سبيل
فقال له الحجاج : قد جعل الله لك السبيل إليها ، خذها فهي لك، فضرب بيده الى يدها فتمنعت عليه فقال:
إن كان طبعكم الدلال فإنه
حسن دلالك يا أمام جميل
فاستضحك الحجاج وأمر بتجهيزها معه الى اليمامة، وكانت أمامة من أهل الري ولها إخوة أحرار فلحقوا بجرير في طريقه الى اليمامة وأعطوه بها عشرين ألف درهم فرفض ذلك وقال:
إذا عرضوا عشرين ألفا تعرضت
لأم حكيم حاجة هي ماهيا
لقد زدت أهل الري عندي مودة
وحببت أضعافا الي المواليا
فأولدها حكيما وبلالا وحزرة وهم أنبه أولاد جرير، وكان عمر بن الخطاب يقول: ليس قوم أكيس من أبناء السراري، فكان زین العابدین علي بن الحسين ابن سرية وهي سلافة من ولد يزد جرد وهو أفضل الناس، وكان سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب ابن سرية وهو من خيار المسلمين وأفاضلهم وسراتهم، وأيضا القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ابن سرية وهو أيضا رباني أهل المدينة المنورة أما الحكم بن أيوب الذي نوه بجرير فكان أمير البصرة حتى ثار عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث على عبدالملك فخرج من البصرة وانحاز الى الحجاج وكان كما ذكرت ابن عمه وصهره على أخته زينب بنت يوسف، وبعد موت الحجاج سجن سليمان بن عبدالملك كل من يمت للحجاج بصلة ومنهم الحكم هذا فقتله صالح بن عبدالرحمن الكاتب مع جماعة من آل الحجاج تحت العذاب، وكانت سيرة الحكم كسيرة ابن عمه الحجاج فكان هذا مصيره والله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل وفي هذا القدر كفاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق