المقالات

ثقافة الاختلاف

تقول الأسطورة الإغريقية إن بروكوست كان حداداً يدعو الزوار للمبيت عنده، وكان من كرمه ينزل للضيف عن سريره، ثم بعد هذا إذا وجد أن الضيف أطول من السرير قص ما زاد من قدميه ليجعله على مقاس سريره، وإذا وجد أن الضيف أقصر من سريره بدأ يشده محاولاً جعله على مقاس السرير وهكذا حتى تنخلع قدمه. ولو تأملنا في الحياة من حولنا لوجدنا بيننا الكثيرين من أمثال بروكوست، لن يرضيه إلا أن تكون نسخة عنه، عليك أن تقرأ ما يقرأ، وتحب ما يأكل، وتستعذب ما يشرب، وتستمتع بما يفعل، هؤلاء مصابون بقداسة الرأي أو الفكرة، الاختلاف سنة الله في الكون، وقد قال عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه: ما سرني لو أن الصحابة اتفقوا فيما اختلفوا فيه، فقد كان في خلافهم في الفقه رحمة للناس.
الارض فندق كبير لسنا وحدنا من نعيش فيه، ومن حق الجميع أن يعيش حياته كما يريد، وليس كما نريد نحن، هناك من يحب شيئا، وهناك من يكره، وليس مهمتنا في هذا الكون، إجبار الناس على فعل شيء، أو ترك الآخر، لكن ما هو مطلوب منا احترام الرأي الآخر، وليس تقديس رأينا، جميل أن تكون على صواب، ولكن ما ليس جميلاً أن تجعل من نفسك مقياس ريختر، ما وافقه كان صحيحاً وما خالفه كان خاطئاً، فسمة هذا الكون الاختلاف، فالأرض تختلف عن السماء، ولو تشابه الناس في كل شيء لصار هذا الكوكب مملاً، فالنقاشات الهادئة وتضارب الآراء لها فوائد، وأهمها أن النبلاء الحقيقيين يظهرون في الخصومات، فالنقاش يُظهر ما على اللسان من ألفاظ، وما في القلب مدفون.
وما هو مرفوض جملةً وتفصيلا التعصب السياسي، فقد ابتلانا الله باصحاب العقول الصغيرة، الذين يقدسون رأيهم على حساب الآخرين، ويعتمدون على مبدأ إذا لم تكن في صفي فأنت ضدي، ويعتبرون أنفسهم الملائكة وغيرهم الجن، ولا يعلمون أن كل حزب بما لديهم فرحون، فهم لا يجيدون إلا مهنة التطبيل لغيرهم، ولا يعلمون أن السياسة عبارة عن مجموعة من الاكاذيب، فالسياسة لا تدخل بين صديقين إلا فرقتهما، والأخ يقتل أخاه لأنه ليس من شيعته، لم يفهموا ثقافة الاختلاف، خالفني لكن لا تقتلني!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق