المقالات

جاهلية التعالي بالأنساب

الأعراف والتقاليـــد فيها خير وشر. والدعوة إلى كسر الأعراف والتقاليد من قبل فرد أو أفراد معدودين هي دعوة فاسدة، ومخطئ من يُقدم عليها. فالشخص لا يعيش بمفرده بل هو ضمن منظومة معقدة متداخلة بين الأعراف والعادات والعوائل، تشكل في مجموعها التروس التي تحرك المجتمع، فمن وضع نفسه بين التروس ليوقفها طحنته غير آبهة به. وكذلك من جانب العدل والمعروف، فالشخص مسؤول عن العوائل التي ينتمي إليها برحم أو نسب، فلا يحق له كسر أعرافها منفرداً، فالأعراف حق جماعي لا يفتئت شخص منفرداً على عائلته به.
ما يسمى بتكافؤ النسب الذي يصرف البعض معناه إلى عدم تكافؤ عوائل منطقة واحدة، بمستوى معيشة متساوية ولهجات متماثلة وألوان متشابهة، هو مصطلح لا أصل له بهذا المفهوم لا شرعاً ولا عقلاً ولا مروءة.
فأما شرعاً: فدعوة تكافؤ النسب على المفهوم السابق فيها معنى طعن في الحكمة الإلهية التي ارتضت زواج زينب القرشية العدنانية لزيد، المولى العتيق. وهي أيضا رفض صريح لسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وترفع عن الاقتداء به ورد لمكارم الأخلاق التي أتى بها لإتمامها عليه السلام والذي تزوج زينب بعد ان قضى زيد مولاه منها وطرا.  وهو عليه السلام الذي أمر فاطمة بنت قيس الفهرية بأن ترفض وترد سادات العرب وقريش كمعاوية بن ابي سفيان والجهم – وقد جاءا خاطبين لها – وتتزوج – الأسود فطيس الأنف – أسامة بن زيد، المولى وابن الحبشية أم أيمن – رضي الله عنهم أجمعين.
وأما عقلاً: فالمفهوم السابق لكفاءة النسب متناقض تناقض الليل والنهار، ومختلف كاختلاف الملائكة والأبالسة. فلا بأس للرجل أن يتزوج الأميركية والألمانية والروسية وقد تكون مجهولة النسب عديمة الشرف قبل زواجها، ثم تراه يترفع عن قومه الذين عاش معهم وقد عرف مروءاتهم وأفضالهم وشهاماتهم وأيامهم ومواقفهم المشهودة، لدعوى جاهلية لا يعرف أحد أصلها وسببها. وحتى قديما، فتراهم يتزوجون الجواري، ثم ينادون بتكافؤ النسب، ثم يعدون هذا من الشرع والعقل!
وأما مروءة: فكيف يرضى مجتمع متحضر بهذا وفيه ما فيه من قدح لسادة كرام وأكابر قوم وعلماء، كانوا ومازالوا أصحاب فضل وأهل نخوة ومروءات، وكم لهم من أيد بيضاء على مجتمعاتهم ونجدات تتحدث بها الأجيال ويشهد لها الليل والنهار؟ فكيف بالله يرضى مجتمع صحيح الفطرة سليم الطوية حي الضمير فيه بقية من الوفاء والحياء «يزعم الأفضلية على غيره» بهذا؟
ومن أجل المحافظة على الأعراف والتقاليد البالية الفاسدة المتأصلة، تراهم يُحرفون الدين والفطرة والعقل، فلن تزول هذه الجاهلية إلا باجتماع أهل الحل والعقد والمثقفين والكتاب والصحافة على توعية المجتمع والدعوة التي نبذها والإلحاح في ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق