المقالات

سحابة صيف عن قليل تقشع

هذا مثل مشهور يضرب للأمر الذي يرجى زواله، وسحابة الصيف كما هو معلوم سحابة غير ممطرة والمثل يقال مجازا عند حدوث أزمة لا تخلف مشاكل وأول من قالها في شعر الخارجي عمران بن حطان السدوسي، ولهذا المثل حكاية رواها المبرد، فقد ذكر أن خالد بن صفوان التميمي كان يدخل على الأمير بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، ويحدثه فيلحن في كلامه، فلما كثر على بلال ذلك قال له: أتحدثني حديث الخلفاء، وتلحن لحن السقاءات؟ فأحفظ كلامه خالدا فكان يذهب كل يوم الى المسجد ويتعلم الإعراب وكف بصره فكان إذا مر به موكب الأمير بلال قال ساخرا: سحابة صيف عن قليل تقشع، فأخبر بلالا في ذلك فأجلس معه من يأتيه بخبره، ثم مر بلال يوما آخر فقال خالد كما يقول فقيل ذلك لبلال فأقبل على خالد فقال: أما والله يا خالد لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب برد، ثم أمر بضربه مئتي سوط، والشؤبوب الدفعة من المطر بشدة وجمعه شآبيب، وخالد بن صفوان من مشاهير تميم ورجالها عاصر الدولة الأموية ولحق بالدولة العباسية، وهو خالد بن صفوان بن عبدالله بن عمرو بن الأهتم المنقري التميمي، وقد توفي سنة مئة وخمس وثلاثين، أما بلال بن أبي بردة فجده أبوموسی الأشعري الصحابي الجليل، وكان أبوه أبي بردة على قضاء البصرة واسمه أبي بردة عامر، وكان بلال أميرا على البصرة ولاه خالد بن عبدالله القسري أمير العراق لهشام بن عبد الملك، وكان عمر بن عبدالعزيز يقول في بلال هذا : أعطي مقولا ولم يعط معقولا ، ولما تولى يوسف بن عمر العراق سجن خالد بن عبدالله ونوابه ومنهم بلال وقد خنق في سجنه في أواخر خلافة هشام، وأعود الى القصيدة المتضمنة للمثل السائر «سحابة صيف عن قليل تقشع»، فقد روى أن سفيان الثوري كان كثيرا ما يتمثل بقول عمران بن حطان:

أرى أشقياء الناس لا يسأمونها

على أنهم فيها عراة وجوع

أراها وإن كانت تحب فإنها

سحابة صيف عن قليل تقشع

 كركب قضوا حاجاتهم وترحلوا

طريقهم بادي العلامة مهيع

وأكتفي بهذا القدر من القصيدة وأعود الى المثل فأقول إن الرجل الصالح محمد ابن شبرمة، إذا نزلت به مصيبة قال: سحابة ثم تنقشع، ومع ما ذكرته فلابد أن نضع في حسباننا أنه ليس بالضرورة أن تنقشع سحابة الصيف، فربما سال من هذه السحابة الأودية ولكننا نتبع المعنى الشامل الذي جرت عليه العادة، وابن شبرمة الذي ورد ذكره في المثل هو عبد الله بن شبرمة بن طفيل بن حسان الضبي الإمام العلامة فقيه العراق وقاضي الكوفة وهو من صغار التابعين ومن رواة الحديث الشريف كان عفيفاً عاقلاً خيراً صارماً في الحق كريماً، توفي سنة مئة وأربعين للهجرة. ودمتم سالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق