المقالات

وإني لأرجو الله حتى كأنني أرى بجميل الظن ما الله فاعل

ظن خيرا بالله تعالی ولا تقنط من رحمته التي وسعت كل شيء، فمن منا لم يرتكب ذنبا، فلا تلتفت لمن يقول لن يغفر الله ذنبك، فالأمر ليس بيده وإنما بيد الحنان المنان الذي سبقت رحمته غضبه، وقرآننا العظيم واضح صريح ليس فيه أدنى لبس وفيه يقول الله تعالى: إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما «النساء 48»، وتأملوا عظم رحمة الله تعالى في الحديث القدسي فقد روى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك، بقرابها مغفرة «رواه الترمذي»، وبيت الشعر يدور في هذا المعنی وقد ورده أبي العباس محمد بن يزيد المبرد في الكامل وذكر أنه من الأبيات المنفردة القائمة بأنفسها كقول هشام بن عبد الملك:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوی
الى بعض مافيه عليك مقال
أما صاحب البيت فهو محمد بن وهيب الحميري، شاعر مشهور من شعراء الدولة العباسية، وكان يسكن بغداد، وأصله من البصرة وله أشعار جميلة يتذكر فيها البصرة ويتشوق إليها، وله ذكر في خلافة عبدالله المأمون، وكان قد وصل الى وزيره الحسن بن سهل وأعجبه شعره وأوصله الى المأمون ولم يزل مع المأمون حتى توفي ثم دخل على محمد المعتصم ومدحه بأشعاره ونال جوائزه، وكان المعتصم قد قال للشعراء من منكم يحسن أن يقول مثل قول النمري في الرشید:
خليفة الله إن الجود أودية
أحلك الله منها حيث تجتمع
من لم يكن بأمين الله معتصما
فليس بالصلوات الخمس ينتفع
إن أخلف القطر لم تخلف مخايله
أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
فقام محمد بن وهيب فقال:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم
شمس الضحی وأبو إسحاق والقمر
فالشمس تحكيه في الإشراق طالعة
إذا تقطع عن إدراكها النظر
والبدر يحكیه في الظلماء منبلجا
إذا استنارت لياليه به الغر ر
تحكي أفاعيله في كل نائبة
الغيث والليث والصمصامة الذكر
فالغيث يحكي ندى كفيه منهمرا
إذا استهل بصوب الديمة المطر
فأحسن المعتصم جائزته، ومما ذكرته لكم يظهر واضحا أن هذا الشاعر كان نابه الذكر قريبا من الخلفاء، مرغوب به عندهم، وقد تناول بشعره الحكمة والغزل والمدح والرثاء والنسيب والهجاء وهو مكثر، كما أنه جيد المعاني فصيح الألفاظ كقوله:
وليل في جوانبه فصول
من الأظلام أدهم غيهبان
كأن نجومة دمع حبيس
ترقرق بين أجفان الغواني
وقد عاصر دعبلا الخزاعي وأبا تمام وغيرهما من شعراء وقته، وقد توفي سنة أربعين ومئتين للهجرة في خلافة المتوكل علي الله أبو الفضل جعفر بن محمد المعتصم «247-232» وفي هذا القدر كفاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق