المقالات

قالت الصغرى وقد تیمتها قد عرفناه وهل يخفى القمر؟

بيت شعر فيه غرور وكبرياء وثقة كبيرة بالنفس، فقد شبه الشاعر نفسه بالقمر الذي لا يخفى على أحد، ولعل جملة «هل يخفى القمر» صارت مثلا سائرا بعد أن سار هذا البيت على ألسنة الناس للرجل المشهور الذي لا يجهله أحد كقول ذو الرمة:
وقد بهرت فما تخفى على أحد
إلا على أحد لا يعرف القمرا
والسبق في هذا المثل يعود للشاعر عمر بن عبدالله بن ابي ربيعة ابن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم القرشي أبو الخطاب، أشهر شعراء الغزل على الإطلاق ولم يكن في قريش أشعر منه، وهو كثير الغزل والنوادر والوقائع والمجون والخلاعة وله في ذلك حكايات مشهورة، وهو القائل:
بينما يذكرنني أبصرتني
دون قيد الميل يعدو بي الأغر
قالت الكبرى أتعرفن الفتی؟
قالت الوسطى نعم هذا عمر
قالت الصغری وقد تیمتها
قد عرفناه وهل يخفى القمر؟
ذا حبيب لم يعرج دوننا
ساقه الحين إلينا والقدر
فأتانا حين ألقی بركه
جمل الليل عليه واسبطر
ورضاب المسك في أثوابه
مرمر الماء عليه فنضر
والعجيب في سیرة هذا الشاعر الماجن أنه ولد في الليلة التي قتل فيها عمر بن الخطاب سنة ثلاث وعشرين للهجرة فكان الحسن البصري يقول: أي حق رفع؟ وأي باطل وضع؟ وقد نسب عمر الى جده أبي ربيعة «حذيفة» لشهرة جده، ولقب بالعاشق لكثرة مجونه والمغيري نسبة للمغيرة جده الأكبر، وكان يستغل موسم الحج والعمرة ليتحرش بالنساء ويشبب بهن في أشعاره حتى حذر الناس منه أشد الحذر ويعد عمر رائد شعر الغزل ولم يمدح أحدا على الإطلاق ولم يكن أصلا بحاجة الى ذلك لثرائه، ومن شعره الرائج قوله:
قف بالطواف ترى الغزال المحرما
حج الحجيج وعاد يقصد زمزما
بدر إذا كشف اللثام رأيته
أبهى من القمر المنير وأعظما
بدر تجلى بالطواف كأنما
قمر توسط في السماء الأنجما
سلبت فؤادي يا لقومي طفلة
كالبدر محرمة بثوب معلما
وقوله أيضا وقد أحسن:
لیت هندا أنجزتنا ما تعد
وشفت أنفسنا مما نجد
واستبدت مرة واحدة
إنما العاجز من لا يستبد
وقد جعل من شطر بيته الثاني «إنما العاجز من لا يستبد» مثلا سائرا وهذا دليل على جزالة شعره، وقد عاش عمر بين مكة المكرمة والمدينة المنورة التي ولد فيها وترد د على العراق والشام واليمن، ورغم شعره الصريح فقد كان يقول: قد أنشدت من الشعر الكثير، ورب هذه البنية «الكعبة» ما حللت إزاري على فرج حرام، وقد نفاه عمر بن عبد العزيز الى جزيرة دهلك بين اليمن والحبشة بعد شكاوی وصلت اليه، ومنها قول عمر:
ليت ذا الدهر كان حتما علينا
كل يومين حجة واعمارا
وقد تاب وأناب وترك الغزل وجعل عليه بدنة إن قال بيتا، وقد عاش حتى سنة ثلاث وتسعين في رواية أبوالفرج الأصفهاني والهيثم بن عدي، وذكر أنه غزا البحر فاحترقت السفينة التي كانت بها وقيل أنه مات حتف أنفه، وهذا ما أميل إليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق