المقالات

وكنت جليس قعقاع بن شور ولايشقى بقعقاع جليس

الممدوح في بيت الشعر هذا القعقاع بن شور البكري الوائلي، أحد كبار أمراء الدولة الأموية، وهذا الأمير إذا جالسه رجل وعرفه بالقصد إليه جعل له نصيبا في ماله وأعانه على عدوه وشفع له في حاجته وغدا إليه بعد المجالسة شاكرا له حتى شهر بذلك، وقد روى المبرد في الكامل أن القعقاع بن شور دخل على معاوية بن أبي سفيان، فإذا مجلسه غاص بالرجال، فلم يجد مكانا يجلس فيه فأوسع له بعض من حضر حتى جلس بجواره، ثم أمر معاوية للقعقاع بمئة الف درهم، فقال للرجل: اقبض المال فقبضه وجاء به الى القعقاع فقال له: أيها الرجل مادفعت لك المال وأنا أريده لنفسي، فخذه بارك الله لك فيه، فقال الرجل:
وكنت جليس قعقاع بن شور
ولا يشقى بقعقاع جليس
ضحوك السن إن نطقوا بخير
وعند الشر مطراق عبوس
وفي حسن اختيار من تجلس معه يقول وهب بن عبد مناف بن زهرة جد رسول الله، عليه الصلاة والسلام لأمه:
وإذا أتيت جماعة في مجلس
فاختر مجالسهم ولما تقعد
ودع الغواة الجاهلين وجهلهم
وإلى الذين يذكرونك فاعمد
وللجليس على الجليس حق لازم، وفي ذلك يقول حبر الأمة وترجمان القرآن عبدالله بن عباس، رضي الله عنهما : لجليسي علي ثلاث، أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأوسع له إذا جلس، وأصغي إليه إذا حدث، وقال لقمان الحكيم في وصيته لابنه : يابني، إذا أتيت مجلس قوم فارمهم بسهم الإسلام «السلام» ثم اجلس، فإذا أفاضوا في ذكر الله فأجل سهمك في سهامهم وإن أفاضوا في غيره فخلهم، وانهض وجالس رجل قوما من بني مخزوم فأساءوا عشرته وأفشوا سره وسعوا به الى معاوية بن أبي سفيان فقال فيهم:
شقيت بكم وكنت لكم جليسا
فلست جليس قعقاع بن شور
ومن جفل أبو جهل أخوكم
غزا بدرا بمجمرة وتور
وكان سعيد بن العاص الأموي خير جليس لأصحابه يجتمعون عنده عندما كان أميراً للمدينة وبعد أن عزل فلا يسمعون منه إلا ما يسرهم ولا يمدح أحدا ولايذمه بل كان يقول: إن القلوب تتغير فلا ينبغي للمرء أن يكون مادحا اليوم عائبا غدا، ومن محاسنه جمعه اخوانه كل جمعة فيصنع لهم الطعام ويخلع عليهم ويرسل اليهم الجوائز ولايكتفي بذلك بل يرسل الى اسرهم برا كثيرا، وقد افتقد أحد جلسائه أياما، فسأل عنه فقيل له: أرهقه الدين فاستحى من الناس واختبأ في منزله خوفاً من الديانة، فأمر وكيله على الفور بأن يدفع ما على الرجل وأن يعطيه مثل ذلك، فعاد الرجل الى مجالسته، ومن هنا أيها السادة نقول لكم: احرصوا على المجالس الصالحة، فنفعها كبير، وأقل ذلك بعدها عن القيل والقال والنميمة والحسد وشتم أعراض الناس.
أكتفي بهذا القدر، ودمتم سالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق