المقالات

إذا بلغتني وحملتي رحلي عرابة فاشرقي بدم الوتين

هذا البيت من الشعر كان سبباً في ارتفاع عرابة بن أوس بن قيظي الأنصاري وشهرته بالكرم بين الناس في العصر الأموي الأول حتى أن الخليفة معاوية بن أبي سفيان سأله: بم سدت قومك يا عرابة؟ فقال: لست بسيدهم ولكني رجل منهم، فعزم عليه معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، أعطيت في نائبتهم، وحملت عن سفيههم، وشددت على يدي حليمهم، فمن فعل من قومي مثل فعلي فهو مثلي ومن قصر عنه، فأنا أفضل منه ومن تجاوزه فهو أفضل مني.
وقال محمد بن يزيد المبرد في الكامل: كان سبب ارتفاع عرابة أنه قدم من سفر فجمعه الطريق بالشماخ بن ضرار الأسدي فتحادثا ثم قال له عرابة: ما الذي أقدمك المدينة؟ فقال: قدمت لأمتار منها، فملأ له عرابة رواحله برا وتمرا وأتحفه بغير ذلك فقال الشماخ:
رأيت عرابة الأوسي يسمو
إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد
نلقاها عرابة باليمين
إذا بلغتني وحملت رحلي
عرابة فاشرقي بدم الوتين
ومثل سراة قومك لم يجاروا
إلى ربع الرهان ولا الثمين
وعرابة هذا ممن عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم «أحد» فرده لصغر سنه، وبذلك تكون له صحبة، وكان مشهوراً بالجود ومن سادات قومه، عاش إلى خلافة معاوية بن أبي سفيان، أما الشماخ فهو من فحول الشعراء، عاصر الجاهلية والإسلام وله صحبة وهو القائل يرثي عمر بن الخطاب، رضي الله عنه:
جزى الله خيراً من إمام وباركت
يد الله في ذاك الأديم الممزق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة
ليدرك ما حاولت بالأمس يسبق
قضيت أموراً ثم غادرت بعدها
بوائق في أكمامها لم تفتق
أبعد قتيل بالمدينة أظلمت
له الأرض تهتز العضاة بأسوق
تظل الحصان البكر يلقي جنينها
نثا خبر فوق المطي معلق
وما كنت أخشى أن تكون وفاته
بكفي سبنتي أزرق العين مطرق
وكان الشماخ أرجز العرب على البديهة وقد حضر «القادسية» وحث الناس على الجهاد وغزا أذربيجان مع سعيد بن العاص الأموي، والشماخ لقب له وإنما هو معقل ذكره المرزباني في معجمه وقال في حقه: شديد متون الشعر، صحيح الكلام، وقال أبو الفرج الأصفهاني: كان للشماخ أخوان شقيقان هما جزء ومزرد، وهو من مشاهير الشعراء، ولما احتضر الحطيئة الشاعر قال لمن حوله: أبلغوا الشماخ أنه أشعر غطفان، وقال ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء: الشماخ أوصف الشعراء للقوس ودرة شعره قصيدته الزائية التي وصف بها القواس والقوس كما أنه أوصف الشعراء للحمر، وزائيته التي يقول فيها:
عفا بطن قو من سايمي فعالز
فذات الغضا فالمشرفات النواشز
فكل خليل غير هاضم نفسه
لوصل خليل صارم أو معارز
وقد توفي الشماخ سنة خمس وعشرين للهجرة، وأكتفى بهذا القدر ودمتم سالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق