المقالات

حلم كافكا

على خطى كتابات «فرانس كافكا» المأساوية، يذكرني الجمال الكئيب للطرق الفارغة في معظم الشوارع العالمية ببعض أفلام ما بعد نهاية العالم القديمة، مثل فيلم «على الشاطئ»، والتي تظهر مدينة اختفى معظم سكانها، كما يذكرني انفجار بيروت بمجزرة «سيربرينتشا» في البوسنة والهرسك، ليس هناك أي تفسير، بل فقط أن العالم لم يعد في متناول اليد، لم يعد ينتظرنا، لم يعد من اختصاصنا، لم يعد يبحث عنا، حتى الأقنعة الطبية التي يرتديها المشاة فهي تؤمن إخفاء للشخصية مرحبا به وتحرر من الضغط الاجتماعي.
لماذا يجب علينا أن ننتظر حدوث كوارث أو حوادث أليمة حتى نبدي تضامننا الإنساني، لماذا يختفي هذا التضامن أيام الاستقرار والرفاه؟
الجواب هو علة السؤال، والوجع هو الفيروس وبيروت.
في ظل توالي الأزمات؛ فجأة خمدت آلة الحرب على الأرض إلى حدٍ كبير، فضباع الحروب توقفوا إجبارياً؛ لأن الوفرة الاقتصادية والمالية التي توقظ المعارك وتنعش تجارة السلاح متأثرة ومتراجعة، فما أغبى حاسوب النظام العالمي الذي يفرز الإرهاب والحرب مع رخائه الاقتصادي وتقاربه الاتصالي.
إمبراطوريات المال والإنتاج التي شيّدت صروحها على أكتاف وحقوق وطاقات وحريات العمال والموظفين تقدم اليوم الراحة والسلام والحقوق للعاملين على أطباق من فضة وكأن منطق ديالكتيك «فيورباخ» أصبح يمشي للوراء.
بورصات المال تنزف خسائر بلا توقف، ساحات الحرب بلا ذخيرة ومعونة وربما فقدت الهدف، تجار الوهم بلا بضاعة اليوم في سوق لا بيع فيه ولا شراء.
الأزمات عادة قاطرة التغيير، والمحن عادة أبواب الحلول غير التقليدية، وهذه المرحلة فرصة لإعادة النظر في القيم الإنسانية المشتركة وفي النمط الاقتصادي العالمي، فالتغيير لا يأتي دائماً بإرادة بشرية أو عن طريق مخططات حكومية أو بنيوية إنتاجية. التغيير قد يفرضه الواقع، خصوصاً مع تزايد وتيرة القلق لدى الناس، ما بين قلق من فقدان الوظيفة وتوقف الدخل والراتب، وقلق على الصحة والقدرة على الحصول على رعاية طبية من عدمها، وتفاقم القلق من مستقبل غامض لا يبدو له ملامح معروفة أو مألوفة، بدأ يتكشف لنا أن البحث عن الأمان والطمأنينة مطلبٌ أساسيٌّ بل وحق لكل إنسان، ويتضح رويداً رويداً أن هذا الأمان ليس شخصياً فقط، وإنما أمان مجتمعي، قد يتطلب بزوغ نظام عالمي جديد، تُرصَد فيه ميزانيات الدول للأمن الغذائي والصحي، ويعتبر فيه العلم والتنوير والتثقيف أولوية، ولا شك أن أمراً ما سيحدث وتغيرات عديدة ستقع.
ربما تعود الحياة قريباً إلى طبيعتها، ولكن هل نريد فعلاً أن تعود إلى سابق عهدها؟ أم أن البشرية ستتجه إلى آفاقٍ جديدة، وربما تستعيد إنسانيتها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق