المقالات

إذا ما المنایا أخطأتك وصادفت حميمك فاعلم أنها ستعود

هذا بیت شعر حكمة يذكرني بقصة ذات فائدة، فقد ذكر صاحب تاريخ دمشق أن عبدالملك بن مروان أدرك أرطأة بن سهية المري شيخا كبيرا أتت عليه مئة وثلاثون سنة فسأله عن حاله فقال:
رأيت المرء تأكله الليالي
كآكل الأرض ساخطة الحديد
وما تبغي المنية حين تأتي
على نفس ابن آدم من مزيد
فارتاع عبد الملك وتغير وجهه وقدر أنه أراده بهذا الشعر لأن عبد الملك يكنى أبا الوليد، ففهم أرطأة ذلك وقال : يا أمیر المؤمنين إنما عنیت نفسي، أما بيت الشعر الأول فيقوله يزيد بن الصقيل العقيلي وكان يسرق الإبل ثم تاب وأناب وجاهد في سبيل الله حتی قتل شهيدا، وفي ذلك يقول:
ألا قل لأرباب المخائض أهملوا
فقد تاب مما تعلمون يزيد
وهو هنا يقول أسرحوا إبلكم ولا تخافوا السرعة فقد تبت وأنبت وندمت على ما مضى، والمخائض تعني الناقة جمعا فإن الناقة إذا لقحت قيل لها خلفة وللجميع مخاض، ثم يبين هذا الشاعر ما آل إليه حاله فيقول:
وإن امرأ ينجو من النار بعدما
تزود من أعمالها لسعيد
إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت
حميمك فاعلم أنها ستعود
وهذا بيت القصيد وكان محمد بن الحنفية إذا مات له جار أو حميم قال : أولى لي كدت والله أكون السواد المخترم، وكان يزيد بن الصقيل لصا مشهورا في بادية نجد والحجاز فبينما هو في البادية إذا به يرى جيشا متوجها الى الجهاد أرسله الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه الى الشام فسأل عن الجيش فأخبر بوجهته فتاب إلى الله تعالى وسار مع الجيش واستشهد بعد ذلك، ولا يكون الرجل صعلوكا في ذاك الزمان إلا إذا طحنه الفقر وأصبح لا يملك شيئا، ومن أشهر هؤلاء الصعاليك في العصر الأموي مالك بن الريب المازني التميمي أبو عقبة، كان فتی شجاعا جسورا فاتكا شاعرا لصا، في أول أيام بني أمية، فلقيه سعيد بن عثمان بن عفان وهو متوجه بجيش الى فارس وكان مالك أجمل الناس، فأعجبه وقاله : ويحك، تفسد نفسك بقطع الطريق وأنت بهذه الهيئة الجميلة والفضل الظاهر؟ فقال مالك: يدعوني الى ذلك أصلح الله الأمير عجزي عن المعالي ومساواة ذوي المروءات ومكافأة الإخوان، فقال له سعيد : فإن أنا أغنيتك واستصحبتك أتكف عما كنت تفعل؟ قال : أي والله أيها الأمير أكف كفا لم يكف أحد أحسن منه، فاستصحبه سعيد وأجرى له مالا، ثم لما قفل مالك وأشرف على الموت فتخلف معه مرة الكاتب ورجل من أبناء عمومته فقال وقد أشرف على الموت قصيدته البائية المشهورة ومنها:
ألا لیت شعري هل أبيتن ليلة
بجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا
وفيها يقول وقد تذكر ابنته:
تقول ابنتي لما رأت طول رحلتي
سفارك هذا تاركي لا أبا ليا
تذكرت من يبكي علي فلم أجد
سوی السيف والرمح الرديني باكيا
وأشقر محبوك يجر عنانه
إلى الماء لم يتركاً له الموت ساقيا
أقول لأصحابي ارفعوني فإنه
يقر بعيني أن سهيلا بدليا
وقوما إذا ما استل روحي فهيئا
لي السدر والأكفان ثم ابكيا ليا
وخطا بأطراف الأسنة مضجعي
وردا على عيني فضل ردئيا
ولا تحسداني بارك الله فيكما
من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا
خذاني فجراني بثوبي إليكما
فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا
ثم مات فدفناه مكانه. وفي هذا القدر كفاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق