المقالات

النعيم

تعرضت لخطر الموت عدة مرات بحكم عملي الاعلامي، منها مرتان او ثلاث في قصف متبادل بين القوات العراقية والايرانية ايام الحرب المجنونة التي فتحت ابواب المآسي على العراق وأفقدته عددا من خيرة  الكفاءات والنخب  العلمية والفنية والرياضية، فضلا عن جيلين على الاقل من خريجي الجامعات، بعضها في تخصصات حيوية لم تعد متاحة الآن. الحروب ظالمة تحرق البشر بدون رحمة. وهي وقود غير حسن ولا يمكن ان تلصق به اي مبررات لإطالة اي ازمة. وشاهدت الموت ايضا في القاهرة ايام عملي في «الأنباء» ومشاركتي وأسرتي في التظاهرات التي عمت شوارع الدقي ومناطق اخرى من العاصمة المصرية  رفضا للغزو الغادر. ومرتان في حرب كوسوفو في اكتوبر 1998 ومات او استشهد بالقرب مني معلق تلفزيوني ايطالي ومصورة ايرلندية. وقبل ذلك انفجر لغم في عربة  تسبق الاعلاميين في احدى مدن القتال في حرب البوسنة والهرسك في يوليو 1995 وكانت الحرب في مراحلها الاخيرة والقصف يحرق الاخضر واليابس وكنت لم ادخل عالم الاعلام التلفزيوني بعد ولم استلم رئاسة تحرير مجلة «المشاهد السياسي»، فنتج عن الحادث انقلاب الباص الصغير الذي  انفجر به لغم أدى الى انقلابه في واد صغير، ومقتل اغلب من كانوا فيه ومنهم ثلاث فتيات على الاقل احداهن اميركية من اصل لبناني. في عمل مثل هذا لا تعرف أين ستقف بك الحياة او الى اين ستقودك، فليست كل دول العالم آمنة وليست كل الانظمة مسالمة وتحترم القانون وتؤمن بالحريات وحقوق الإنسان. وقد نجوت مرة من محاولة اختطاف لنقلي من دولة الامارات الى العراق في  الصندوق الخلفي لسيارة كانت معدة لهذا الغرض. بالطبع كنت اشعر بالخوف بل بالرعب احيانا مما كان يمكن ان اتعرض له على الرغم من ان كل ذنبي هو اني مستقل ولست طرفا في اي حزب او نزاع, الا ان بحثي عن الحقيقة وفتحي الملفات الشائكة وطريقة سردي للتفاصيل او صياغتي للاسئلة، ليست مقبولة او مستساغة من قبل كل ضيوفي وبعضهم زعماء او من كبار القوم. وسألت احدهم مرة وهو مازال على قيد الحياة وعلى رأس المسؤولية في بلده، هل له علاقة مع اسرائيل وانها هي التي تولت حمايته ونقله الى خارج بلده عندما انقلب  عليه القوم وتغيرت ظروف سلطته  ومساحات الامان التي تحيط به؟ وسألت آخر عن عدد الذين ازاحهم من طريقه من خصومه ومنافسيه  وعما اذا كان قد اكتفى باستخدام يديه  في ذلك ام استعان بكاتم للصوت. وسألت ثالثا  وكان رئيسا للاركان في بلاده ومشهوراً عنه انه من كان يعين ويخلع الرؤساء عما اذا كان قد اكتفى بإصدار الاوامر لخلع اثنين على الاقل من الرؤساء المعروفين في بلاده ام انه هو الذي كان يتسبب في مفارقتهم الحياة؟ وسألت صدام حسين وأنا في لندن وعبر الهاتف في احدى مكالماته معي بعد كل مرة كان يغتاظ فيها  من الضيف وكان 99.99% من الضيوف معارضين له  وهو ما اغاظ حتى صاحب القناة الدكتور رفعت الاسد الذي قال في اجتماع مع بقية الاعلاميين العاملين في القناة اني حولتها الى مركب للمعارضة المأجورة المسيرة من اميركا واسرائيل وايران والسعودية،  مع انه كان يتلقى دعما سنويا من السعودية،  وقد طلب مني بطريق غير مباشر اكثر من مرة ان امارس حسن صلتي بالملك عبدالله وابنائه وخالهم لزيادة مبلغ الدعم، سألت صدام ان كان هو الذي أمر بتصفية عدنان خيرالله  ابن خاله شقيق زوجته، فقال ولم اكن خائفا منه يومها فهو في بغداد وانا في لندن، ان الاهوج وغير السوي فقط من يعتقد انه يحتاج الى الخلاص ممن يختلفون معه فقط لانهم لا يتفقون معه في الرأي او الموقف. لكنني كررت عليه ولم أر وقتها رد فعل غاضبا او منفعلا او متوعدا كما فعل في مرات سابقة  طرحت عليه فيها أسئلة اقل اهمية.  قلت له: لكنك قتلت احمد حسن البكر الرجل الذي كان بمثابة الاب لك ومصدر سلطتك وقوتك في يوم ما. فكان رده : اسمع .. اسمع .. خليك من هذه الخرافات التي يقولها الساقطون والخونة والجهلة عني، انا اسير تحت الشمس ولا اركب طواحين الهواء وخلافي مع خصومي ايا كانوا، ليس سرا ولا اسرار. واضاف: قل عني ما تقول لكن تذكر ان تضع مصلحة بلدك اولا حتى قبل علاقتك بأبيك لانك ستحتاج الى قرار ويجب ألا يكون الاب او الام او الابن اهم من الوطن إلا لدى العامة من الناس. وسألت مدير مخابرات دولة عربية مهمة ولم يعد في هذه الوظيفة الان ان كان قد استخدم النساء والمثيرات منهن في اختراق صفوف من يخشى جهازه من تطلعاتهم، فقال: نحن نستعين حتى بالشيطان.

الآن وجائحة كورونا تملي علينا واقعا جديدا  بعدما فتحت ابوابا  لعالم مثقل بالهموم اوقف الحياة على سطح الارض  وضاعف الالام وعطل التعليم وألغى ملايين الرحلات الجوية  بين عواصم العالم وفرض  نظاما غذائيا وصحيا واجتماعيا وأمنيا جديدا على الصغار والكبار في الدول المتقدمة والنامية على السواء، بدأت امور كثيرة تستجد في حياتي ومنها احتمال ان تفارق الحياة قبل ان  تفارقك. أرهبني الخوف من الموت في مرات الحروب التي اقترب فيها منا كثيرا، الا ان الشعور بالالم ومحاولات استغلال اي عارض مرضي الظروف لإذلال من لا حول له ولا قوة له تجعل من خيار الامتثال لإرادة الله في المغيب، اكثر مدعاة للراحة والقبول من الخوف. في الغابة يقال إن لم تكن ذئبا اكلتك الذئاب. وفي النعيم عندما تصنف نفسك ممن يخشون الله ويعرفونه في قرارة انفسهم ان كانوا من اصحاب اليمين، فإنهم لا يتوجسون خيفة من الموت لانه طريقهم الى النعيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق