الإقتصاد

العملات الرقمية تهدد الورقية … أم ثورة تقنية تنفجر سريعاً وعابرة

كتب إبراهيم العنقيلي:

الذهب والفضة والعملات الرقمية الافتراضية أبرز النجوم اللامعة في سماء الأسواق العالمية مؤخراً، مع تسجيلهما مكاسب قوية ومتواصلة خلال الفترة الحالية. والدليل وصول البتكوين الي 12 ألف دولار تساءل البعض من أين يأتي الدعم للعملات التشفيرية أو الافتراضية هل من حكومات أم من جماعات ارهابية كما يقولون وما القصة عندما نتحدث عن صراع قادم ما بين الرقمي والورقي فالدول والبنوك المركزية تحكمها النظم النقدية.

ولم يكن الصعود المتزامن للمعدنين أمراً غريباً بالنظر إلى العلاقة التاريخية التي تربطهما منذ آلاف السنين والتي ظهرت جلية في عصر وباء «كوفيد- 19».يرتبط الذهب بعلاقة قديمة ووطيدة مع الفضة، مع تشارك المعدنين في كثير من الصفات أبرزها مكانة الملاذ الآمن في أوقات الأزمات. يستفيد المعدنان الأصفر والأبيض حالياً من تراجع قيمة الدولار وحالة عدم اليقين بشأن موعد وكيفية تعافي الاقتصاد العالمي من حالة الركود، بالإضافة إلى العوائد الحقيقية، المعدلة على أساس التضخم، المتراجعة لنطاق سالب تاريخي والتي تجعل حيازة المعادن النفيسة هدفاً وأولوية للكثيرين. كما يتلقى المعدنان دعماً ملحوظاً من الحزم التحفيزية القياسية بقيمة تجاوزت 11 تريليون دولار من الحكومات حول العالم في مسعى للتغلب على أثر كورونا على الاقتصادات والتي تهدد بتسارع التضخم وخفض لقيمة النقود الورقية.  وإذا كان الطلب على الذهب ينبع من عاملين أساسيين وهما الاستهلاك «مجوهرات وغيرها»، واستثماري «التحوط من خطر التضخم وهبوط القيمة الشرائية للنقود»، فإن الفضة تشارك المعدن الأصفر في الأمرين ويضاف إليهما الجانب الصناعي أيضا يطلق على الفضة عادة صفة «ذهب الرجل الفقير»، بسبب اشتراكها مع المعدن الأصفر في كثير من الصفات المؤدية لصعود الذهب مع انخفاض سعرها وبالتالي قدرة الأقل دخلاً على اقتنائها.

مع انتصاف القرن التاسع عشر بدأت معظم الدول في الاختيار بين الذهب أو الفضة كشكل من أشكال النقود،  بجانب العملات الورقية التي اكتسبت مكانة طاغية،  وفضلت دول أوروبا اتخاذ جانب الذهب بينما فضلت دول آسيوية مثل الصين والهند الاستقرار على الفضة. ارتفاع سعر الذهب لمستوى قياسي يتجاوز 2000 دولار ربما يجعل الفضة خياراً أفضل بالنسبة للبعض بالنظر لسعرها المنخفض واستمرار ارتفاع معدل سعر المعدنين أعلى كثيراً من المتوسط التاريخي، ولذك ليس من الغريب طرأ تغييرات على العملات التقليدية أيضا ليحل محلها العملات الرقمية وتعود إلى الواجهة من جديد، وذلك لتفادى أي نوع من أنواع الاتصال بالآخرين للحد من عدوى كورونا. في بريطانيا مثلاً، انخفض استخدام النقود الورقية والصراف الآلي بنسبة 50 % خلال فترة وجيزة بعد انتشار الوباء وفي ألمانيا، حيث تلقى فيها النقود الورقية شعبية أكثر من البلدان الأوروبية المجاورة، أصبح المواطنون يفضلون الدفع إلكترونيّاً حتى عند شراء البقالة، في غضون ذلك، توقع بنك التسويات الدولية  «BIS» أن يكون انتشار الوباء حافزاً لتسريع عملية تطوير العملات المركزية الرقمية وهو فعلاً ما حصل في الصين حيث بدأ البنك المركزي باختبار عملته. فقد فاجأت الصين العالم بإصدار عملتها الرقمية اليوان الرقمى، الذي اثار العديد من التساؤلات في الوقت الذي تتصارع فيه دول العالم لإنقاذ اقتصادها نتيجة الاثار السلبية التي أحدثها فيروس كورونا، والعملة الرقمية الصينية هي النسخة الالكترونية من الرنمينبي، وفقا لصحيفة «فيانانثيرو» المكسيكية. وتعتمد العملة الرقمية التي سيطلقها البنك المركزي الصنيي على الائتمان الوطني، بالتالي فإن قيمتها ستكون أكثر استقراراً، وكثف البنك المركزي الصيني في الأشهر الأخيرة من تطويره لعملة الرنمينبي الإلكترونية، التي من المقرر أن تكون أول عملة رقمية في العالم يديرها اقتصاد كبير.  في ايطاليا ارتفعت شعبية العملات الإلكترونية بسبب أزمة فيروس كورونا ومخاوف من انتقال العدوى عبر النقود التقليدية، وذلك على الرغم من أن ايطاليا ليس لديها الريادة فى العملة الإلكترونية إلا أن استطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى أن الإيطاليين مواتون بشكل خاص لاستخدام العملات الرقمية.  وكان البنك المركزي السويدي مسؤولاً عن إطلاق برنامج اختبار لعملة «الكرونة الإلكترونية»، لمدة عام، وتستخدم خلالها تقنية دفتر الأستاذ الموزع، المستوحاة من الضوابط التي تدير سوق العملات المشفرة، لافتا إلى أنه في حال تم اعتماد التداول بالكرونة الإلكترونية، فإنها ستستخدم في الأنشطة المصرفية اليومية، مثل المدفوعات، الودائع، والسحب، وغيرها من المعاملات المالية التي تتم عبر محفظة إلكترونية، كالهاتف المحمول وجهاز الحاسوب.

لماذا يحارب النظام المالي العالمي العملات الرقمية؟ قامت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية بتأسيس نظام مالي عالمي صاغته بحيث تفرض هيمنتها على الاقتصادات العالمية عبر صندوق النقد الدولي الذي كان هدفه المساعدة في إعادة إعمار الدول المتضررة من آثار الحرب. واعتمدت سياسة البنك على الإقراض بفائدة، حيث تقوم الدول الكبرى والغنية بإقراض الدول الفقيرة وبهذا تبدأ الدول بدفع فوائد القروض لسنوات طويلة ربما تحد من تنميتها بسبب تضخم الفوائد. وقد اعتمدت اقتصاديات العالم على العملة الصعبة، وهي عملات الدول المقرضة لصندوق النقد الدولي في التبادلات التجارية مثل الدولار الأميركي والجنيه الإسترليني وتم ربط هذه العملات بأسعار الذهب والمعادن النفيسة في البداية وحين بدأ الدولار بالتضخم جراء الحرب الفيتنامية تمّ ربط أسعار النفط العالمية بالدولار.

الفرق بين العملات الرقمية والورقية

هناك نوعان من الفوارق منها، تشابه بين هذه العملات، من حيث كل خصائص المال التقليدي، وأيضا يمكن استعارتها ونقلها بشكل الكتروني، من خلال بطاقة معينة، أو على شكل إرسال مبلغ محدد من قبل الشخص المرسل، ويمكن لهذه العملات أن تأخذ المور التي تقوم بها العملات الورقية، مثل دفع الفواتير، وعقد الصفقات، ومستلزمات أخرى، لكن تقوم بالدفع عن طريق الانترنت، وبشكل يختلف عن العملات التقليدية، أما في خصوص الاختلافات بين هذا العملات، من حيث سرعة تداولها تكون العملات الرقمية اسرع بالتعامل، ويمكن ارسالها إلى أي مكان، ويتم التحكم بهذه العملات من قبل كمبيوتر مركزي ومجموعة من الأشخاص، تابعين إلى الدولة، وهناك صورة شخصية ومعلومات خاصة للشخص الذي يتعامل بهذه العملات، ولكن إن حدثت اختراقات في هذه العملات سوف تؤدي إلى كارثة حقيقية.

هناك انواع عديدة من العملات الرقمية، ولكن اشهر هذه العملات وأكثرها تداولا، هي البيتكوين الرقمية، التي تعتبر بديلة للعملات الورقية، وقد تم تصميمها لحل مشكلات صعوبة، نقل الأموال من مكان إلى آخر، أو بسبب الإجراءات المرهقة، وقد بدأ انتشارها بشكل كبير، بعد دعمها من قبل العديد من الشركات التكنولوجية، بل جرى استخدامها في العديد من العمليات الإرهابية والقرصنة، وقد تم تداولها بداية من 2009، إلا أنها اختفت عام 2010، لتعود مرة أخرى للانتشار بشكل كبير فالعملات الورقية.. تداول للجراثيم والبكتيريا.. وإجراءات الوقاية تحد من انتشار الأمراض، والأبحاث أثبتت أن أكثر من 90 % من العملات الورقية في المجتمعات الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأميركية تحتوي على آثار للكوكايين، حيث تبقى هذه الآثار عالقة في النقود لمدة أسابيع أو أشهر ومن الممكن أن تدوم لسنوات، وقد تم تسجيل أكثر من حالة أصيبت بأحد الأمراض الجرثومية الخطيرة، واتضح أن السبب وراء ذلك كان تداول عملات ورقية ملوثة بين أشخاص يعملون في مهن مصرفية أو في مهن الصرافة وتحويل الأموال وجمعها. مع تزايد حضور العوالم الافتراضية وطغيانها تدريجياً في شتى مفاصل الحياة وتعاملاتها، ظهرت تقنيات عديدة في الفضاء الرقمي، أخذت تحلّ مكان نظيراتها الواقعية، وحفّزت حدوث تغيرات جوهرية في مختلف المجالات، وفي هذا السياق أخذت العملات الافتراضية «البيتكوين» تتلمّس طريقها في مزاحمة العملات الورقية التقليدية، التي ألفها الناس عبر أزمان طويلة، وكل ما يرتبط بها من منظومات ومؤسسات ومعاملات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق