المقالات

وسهم المنايا بالذخائر مولع

الذخائر هم القرابة ومن صافيته وصافاك تفجع به على حين غرة فيشتد حزنك لموته، فإذا مات من تحب هد ركنك وتألمت كثيرا لذلك، وهذا الشاعر يقول إن الموت لا يأخذ إلا من نحب، أما من نكرهه ويكرهنا فهو باق ولا يد لهذا الشاعر بذلك ولا لغيره فإنما هي مشيئة الله تعالى، لذا نجد هذا الشاعر يقول وقد مات عزيز عليه:
وإني وإن أظهرت في جلادة
وصانعت أعدائي عليك لموجع
ملكت دموع العين حتى رددتها
الى ناظري وأعين القلب تدمع
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته
عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
وأعددته ذخرا لكل ملمة
وسهم المنايا بالذخائر مولع
هذه الأبيات يقولها الخريمي إسحاق بن حسان مولى خريم الناعم شاعر متقدم مطبوع مشهور في وقته وأصله من مرو الشاهجان، صغدي نزل الجزيرة ثم تحول الى بغداد، ذكر أن أبا العباس المبرد كان يثني عليه ويكفيك بالمبرد مثنيا، ومما قال فيه: الخريمي جميل الشعر له كلام قوي ومذهب مبسوط وكان يرجع الي بیت كريم في العجم ومع ذلك كان يرجع إلى دين وإسلام ووقار وقد ذهبت عيناه بعد أن تجاوز السبعين وله فيهما مراث حسان، أما مولاه فهو عثمان بن خريم وكان عثمان قائدا جليلا وسيدا شريفا «انتهی» وقال أبو حاتم السجستاني: الخريمي الشاعر كان يتأله ويتدين وهو أشعر المولدين : وهو من شعراء الدولة العباسية المجيديين، وهو صاحب البيت السائر:
اللهو يحسن بالفتی
ما لم يكن شيب يشینه
أما بيته في البداية فقد قاله لما فجع بوفاة ابنه، وقد عاصر هارون الرشید وابنیه محمد الأمين وعبدالله المأمون، وكان يفتخر بانتمائه الى الفرس وفي ذلك يقول:
وإن أبي ساسان كسرى بن هرمز
وخاقان لي لو تعلمين نسيب
قال الامير عبدالله بن المعتز، حدثني المبرد قال: كان الخريمي شاعرا مفلقا مطبوعا مقتدرا على الشعر وله في الغزل قصائد كثيرة ومحاسن جمة، ولما قتل مولاه عثمان الخريمي رثاه رثاء جميلا ورثى أخاه أبي الهيذام ورثى ابنه خريم بن أبي الهيذام ومما قال فيه:
وقالوا ألا تبكي خريم بن عامر
فقلت بلی لو كان ذلك ينفع
سأبكي أبا عمر لضيف مدقع
وذي حاجة أعيى بها كيف يصنع
ولما أصيب بعينيه قال:
فإن تك عيني خبا نورها
فكم قبلها نور عين خبا
فلم يعم قلبي ولكنما
أری نور عيني إليها سری
ومع ذلك فقد قال مذعنا خاضعا:
كفی حزنا ألا أزور أحبتي
من القرب إلا بالتكلف والجهد
وإني إذا حييت ناجيت قائدي
ليعدلني قبل الإجابة في الرد
إذا ما أفاضوا في الحديث تقاصرت
بي النفس حتى ما أحير ولا أبدي
أقاسي خطوبا لا يقوم بحملها
من الناس إلا كل ذي مرة جلد
وقد وصف في شعره الفتنة التي وقعت بين الأمين والمأمون وحال بغداد بعد مقتل الخليفة محمد الأمين، وفي ذلك يقول:
یا بؤس بغداد دار مملكة
دارت على أهلها دوائرها
وقد توفي الخريمي سنة مئتين واثنتي عشرة للهجرة في خلافة عبدالله المأمون. وأكتفي بما ذكرته لكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق