المقالات

لقد حملت من طول التنائي .. من الأحباب ما لا أستطيع

لقد ابتعد حبيب هذا الشاعر عنه فترة ليست بالقصيرة فلم يتحمل هذا الفراق فصار فوق طاقته وشدة احتماله لأن قلبه متعلق بهذا الحبيب ولع به، وطاقة المرء لها حد تقف عنده ثم تفرط مسبحة الصبر ويبوح العاشق بما يحتويه قلبه من ألم الفراق، وبيت الشعر هذا به رقة وجزالة واضحة وهو ضمن أبيات غزلية رائعة يقولها أبو المرهف نصر بن منصور بن الحسن بن جوشن النميري العامري الشاعر المشهور في وقته، جده الأكبر عبيد الراعي بن الحصين بن معاوية أحد كبار شعراء الدولة الأموية، ولجده يقول جرير:

فغض الطرف إنك من نمير

فلا كعبا بلغت ولا كلابا

إذا غضبت عليك بنو تمیم

حسبت الناس كلهم غضابا

اما شاعرنا فكان ضريرا، وقدم بغداد في صباه فسكنها الى حين وفاته، ثم قال الشعر فمدح الخلفاء ومن دونهم وكان زاهدا ورعا حسن المقاصد في شعره كما كان محدثاً، وقد كف بصره بسبب إصابته بالجدري وله من العمر أربع عشرة سنة ومن شعره

ترى يتألف الشمل الصديع

وآمن من زماني مايروع

وتأنس بعد وحشتنا بنجد

منازلنا القديمة والربوع

ذكرت بأيمن العلمين عصرا

مضى والشمل ملتئم جميع

فلم أملك لدمعي رد غرب

وعند الشوق تعصيك الدموع

ينازعني الى خنساء قلبي

ودون لقائها بلد شسوع

وأخوف ما أخاف على فؤادي

إذا ما أنجد البرق اللموع

لقد حملت من طول التنائي

من الأحباب ما لا أستطيع

وكان كثير الانقطاع ببغداد الى الوزير عون الدين ابن هبيرة وزير الخليفة المستنجد بالله العباسي، وله فيه مدائح، وقد ولد سنة إحدى وخمسمئة بالرقة وتوفي في بغداد سنة ثماني وثمانين وخمسمئة للهجرة، وذكر الذهبي ابو المرهف هذا وقال : الأمير الأديب أمه بنة بنت سالم بن مالك وسالم ابن صاحب

الموصل بدران بن مقلد العقيلي ثم اختلفت عشيرته واختل نظامهم فقدم بغداد، وهو القائل:

أحب عليا والبتول وولدها

ولا أجحد الشيخين حق التقدم

وأبرأ ممن نال عثمان بالأذي

كما أتبرأ من ولاء ابن ملجم

ويعجبني أهل الحديث لصدقهم

مدى الدهر في أفعالهم والتكلم

ومن شعره بعد أن تقدمت به السن قوله:

كفی مؤذنا بارتحال الأجل

شباب تولى وشيب نزل

وموت اللذاذة هل بعده

بقاء يؤمله من عقل

وأكتفي بهذا القدر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق