المقالات

أبطال العصر الوهميون

عندما يقرر «جيل دولوز» وضع حد لعلاقته بهذا العالم، ويلقي بنفسه من النافذة، وعندما يفضل ستيفان تسفايغ، وارنست هيمنغواي، وديل كارنجي، والكثير غيرهم من المفكرين والمبدعين والأدباء الانتحار منهيين مأساة الاندماج في عالم متصنع حد «القرف». 

وعندما تصير النشرات الإخبارية والإعلانات متخمة عن آخرها بأخبار أبطال الوقت الوهميين، فذلك يعنى أن العالم غارق في البلاهة والتفاهة، وأنه ما ينفك يلهث وراء المبحوث عنه لهزيمة قلق أسئلته الشقية التي تعصف به وتقوده كرها نحو أحلك النهايات.

المزعج في الحياة أنها تقيم التفاهة، لأن التفاهة قيمها المالية عالية، وقد تتحول إلى مسلمات في الثقافة الاستهلاكية المجتمعية، كما ساهم الإنسان وبشكل كبير في توطين التفاهة، وحتى نكون موضوعيين أكثر فقابليته للتعليب والقولبة هي التي أسهمت في تفككه الجزئي إلى اللاشيء، ولا داعي لأن نلقي اللوم – كما نفعل دائماً-على وسائل التواصل ونحملها وزر ما وصلنا إليه من تفاهة وبؤس معرفي، فهي وحتى في أسوأ الفروض ليست أكثر من تجل محض لهذا البؤس الكامن فينا من الأساس. لم تفعل هذه المواقع شيئاً لنلقي اللوم عليها كليا، بالرغم من تحملها مسؤولية لا بأس بها، باعتبار روادها المشهورين لهم نصيب من المداخيل أو حظ وافر من أن تتحول صفحاتهم إلى مساحات إعلانية، فالتكنولوجيا تستجيب عندما يكون الإنسان متفاعلا، فهي انعكاس لواقع هذا الحال المزري، ومؤشر شديد الدقة لدرجة الانحطاط التي بلغتها البشرية.

إننا سائرون رغما عنا نحو مجتمعات غارقة في التفاهة والرداءة، ويحزن أن تصير النجومية والشهرة والمال من نصيب المحتويات الأكثر تفاهة، ما دفع بالكثيرين للبحث عن الحضور والظهور في العالم الافتراضي، فما يهم هو عدد «اللايكات» ويقاس النجاح بعدد المشاهدات والتعليقات. 

نحن نعيش زمن الصورة أملاً في حصاد الشهرة، والخروج من سجل المجهولين إلى صعود سماء النجومية، لا يهم بأي طريقة، فالغاية تبرر الوسيلة، حتى لو كانت بعرض المفاتن بطريقة فاضحة، أو العبث بالحياة الخاصة، أو انتهاكا للمحاذير، أو تسفيها للمنجز، أو تشويها للنجاح، أو تطاولاً على القامات، أو تقزيماً للكبار. 

وأنا اخط هذا المقال، أعلم جيدا أن القراء ندر، فالجميع تعودوا على تغريدات تويتر ذات المئة وأربعين حرفا، ومنشورات العالم الأزرق ذات الأسطر القليلة، إذ ان العالم برؤيته التسليعية الجديدة يجبرني على عدم الإطالة، المهارة الوحيدة التي يمكن أن تنجينا هي الكتابة على أمل وجود متلقي مهتم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق