المقالات

رحيل «طبيب ‎الغلابة»

خيم الحزن في شمالي مصر بعد وفاة الدكتور محمد مشالي المعروف بلقب طبيب الغلابة، وأثار حالة من الحزن مصحوبة بتعليقات مليئة بعبارات الرثاء، شعبيًا ورسمياً.

 ولد الدكتور محمد مشالي في أسرة بسيطة الحال، وقد تدرج في المراحل التعليمية حتى التحق بكلية طب قصر العيني بالعاصمة القاهرة،

وكان يقول من يعمل في مهنة الطب فهو يعمل ليكسب دعوات الفقراء وهذه أعظم المكاسب، وأوصاه والده بخدمة الفقراء وعلاجهم دون مقابل، وبدأ مشالي حياته العملية في أماكن ريفية يعانى مواطنوها من أمراض البلهارسيا والإنكلستوما، بسبب عملهم في الزراعة. بينما لا يملك هؤلاء ثمن العلاج، وهو ما دفعه للتطوع لعلاجهم، وكما في حياة كل إنسان نقطة تحول، ذات يوم هرع الطبيب لعلاج طفل صغير مريض بالسكري أشعل النار في نفسه، لعدم قدرة والدته على دفع تكلفة علاجه، وكان يبكي من الألم ويطلب من والدته أن تعطيه حقنة الإنسولين، فردت أم الطفل قائلة إنها لو اشترت حقنة الإنسولين فلن تستطيع شراء الطعام لباقي إخوته، ما دفعه للصعود إلى سطح المنزل وإشعال النار في نفسه، ورُغم محاولته إنقاذ الطفل إلا أنه فشل، فكان لهذا الموقف بالغ الأثر في مسيرته المهنية، جعلته مؤمنا أكثر بنبل عمله الإنساني قبل التفكير في العائد المادي، عندما تُخبر أحدًا في مصر بأن هناك طبيباً يحصل على 10 جنيهات هذه الأيام، بينما يحصل طبيب آخر في منتصف مسيرته على مئات الجنيهات من المريض الواحد، ربما سيشعر بالدهشة، وربما لن يصدق ما تقول. تخرج مشالي في كلية الطلب في 1967، وتمتد فترة خدمته للمرضى الفقراء إلى نصف قرن، وفيما تقفز معدلات الغلاء في البلاد، أبقى الرجل على وصية والده بتقاضي أجر رمزي، ورغم عدم تحقيق ثروة إلا أنه كسب حب الفقراء،

ويرى أبناء الطبيب الراحل أن والدهم ترك لهم إرثاً عظيماً، وهو حب الناس والسمعة الطيبة، وأن الطب رسالة إنسانية، وليست مهنة لجمع المال وأنه يتاجر مع الله، لذا كان يتحصل على أجر بسيط مقابل علاج الفقراء، وكان يعمل لخدمة الفقراء منذ تخرجه في الجامعة، وكان سعيدًا بتقدير الناس له، على الرغم من تأكيده أنه لم يفعل أي شيء زيادة،  كان الدكتور يعالج ما يقرب من 100 حالة يوميًا في 3 عيادات،  وإنه لم يكن يكتفي بعلاج الفقراء فقط، بل يوزع عينات الأدوية التي يحصل عليها من شركات الأدوية مجانًا على المرضى من الفقراء، وأنه كان يحصل على أقل أجر بعيادته، وغير المقتدرين يعالجهم مجاناً، وكان الدكتور  لم يكن يريد جمع ثروة من الطب، هو فقط كان يريد التجارة مع الله، وكان زاهداً في الدنيا ، أن سبب حرصه على مساعدة الفقراء، هو تنفيذ وصية والده بمساعدة الغلابة وذوي القربى والمساكين، وهو ما كان يقوم به، فضلاً عن تأثره بوفاة مريض سكر لم يكن يمتلك قيمة العلاج، فكان رحيمًا بالمرضى. ختاما رحم الله الدكتور محمد مشالي واسكنه فسيح جناته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق