المقالات

مسيحي… وزيراً للأوقاف

حين تولى فارس الخوري رئاسة الوزراء في سورية، أسندت إليه أيضاً وزارة الأوقاف، وحين تساءل البعض عن مدى صواب هذا القرار، إذ من غير المعتاد أن يتولى مسيحي وزارة الأوقاف التي تعنى بشؤون المسلمين، تصدى لهم نائب الكتلة الإسلامية في مجلس الشعب عبدالحميد الطباع قائلاً: «اننا نؤمّن فارس الخوري المسيحي على أوقافنا أكثر مما نؤمن أنفسنا».
وعندما وجه الجنرال الفرنسي غورو انذاره المعروف الى سورية، مهدداً باحتلالها بحجة حماية المسيحيين، صعد فارس الخوري منبر الجامع الأموي، في صلاة الجمعة، وقال كلمته المشهورة: «اذا كان غورو يدعي أنه جاء لحماية مسيحيي سورية فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله».
وكبر المصلون داخل الجامع، وبعد انتهاء الصلاة خرج مسيحيو دمشق الى الشارع يهتفون بصوت واحد: لا إله إلا الله.
تلك هي حقيقة التسامح بين الأديان، هذه الرسالات السماوية التي اختارها الله تعالى لتكون مشاعل نور وهداية للبشرية، ووسيلة للتخلص من ظلم الإنسان للإنسان، فلا ضرر ولا ضرار، ولا أحقاد ولا منازعات، ولا انتهاك لحرمة الدم والعرض والأوطان.
هذا التآخي بين أبناء سورية، بكل أطيافهم الدينية والاجتماعية والثقافية، لم يتعرض للاهتزاز او التشويه، ولم تزده حملات المستعمرين الا تماسكاً وثباتاً، وقد توهم دعاة الارهاب وقادته انهم نجحوا في شق الصف السوري، حين أشعلوا نيران الفتنة عند انطلاق ربيعهم العبري، وشعروا بالنشوة عندما زينت لهم أحلامهم الخبيثة ان سورية تمزقت وتبعثرت وأصبحت أشلاء، لكن جيش سورية العظيم بدد أوهامهم، وأعاد وحدة البلاد، وأعاد الفرحة الى وجوه السوريين.
روى لي الأديب والكاتب الراحل عبدالله الشيتي حكاية نقلها له شاهد عيان كان من بين زوار فارس الخوري خلال مرضه، يقول: اشتد المرض بفارس الخوري، واحس بدنو أجله، فأرسل الى شيخ قراء دمشق يطلب حضوره، وحين جاء، أجلسه الى جانبه، وقال له: ضع يدك على قلبي واقرأ سورة ياسين.
وبدأ الشيخ يرتل سورة ياسين، وخيمت على المكان أجواء من القداسة والخشوع، وعندما انتهى من التلاوة كان فارس الخوري قد أسلم الروح الى بارئها.
سلامٌ عليك يا سورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − 14 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق