المقالات

أيسومني المأمون خطة عاجز أو ما رأى بالأمس رأس محمد

هذا البيت فيه تهديد ووعيد وتحد، لخليفة عباسي مشهور هو عبدالله المأمون بن هارون الرشيد سابع خلفاء الدولة العباسية، لقد وجه هذا الشاعر تهديدا شديد اللهجة لهذا الخليفة، وبدا بيته بقوله ويسومني والمعني يكلفني، وقوله : خطة عاجز، المقصود بها العجز عن نيل ما اراده، كناية عن ضعفه وقصر همته، اما قوله: أو ما رأى بالامس راس محمد، فهو تذكير للمأمون بما حدث لشقيقه الامين من قتل وحمل رأسه الى طاهر بن الحسين على رمح، هذا ما اراد ان يقوله شاعر هذا البيت دعبل بن علي الخزاعي للمأمون بعد ان اخبر بأن الاخير توعده بالقتل لكثرة هجائه الخلفاء والامراء والقادة، ودعبل اشهر شعراء الهجاء في العصر العباسي الاول، وهذا البيت ضمن ابيات وجهها الي المأمون يقول فيها:
ويسومني المأمون خطة عاجز
أو ما رأي بالأمس رأس محمد؟
نوفى على هام الخلائف مثلما
توفى الجبال على رؤوس القردد
ونحل في اكناف كل ممنع
حتى نذلل شاهقا لم يصعد
إن الترات مسهد طلابها
فاكفف لعابك عن لعاب الاسود
لا تحسبن جهلي كحلم ابي فما
حلم المشايخ مثل جهل الامرد
وهذا مايسمي بالهجاء الخبيث، روي بسند متصل عن الطوسي في «الأمالي» عن القاضي يحيى بن أكثم قال: ان المأمون عفا عن دعبل وكان هذا الخليفة موصوفا بالحلم والعفو عمن اساء اليه، وله في ذلك الكثير من الحكايات، وكان البحتري يثني عليه، وقال ابن مهرويه: ختم الشعر بدعبل، وهو اديب متكلم شاعرا عالما فصيحا الا انه شديد الهجاء، وقد هجا خليفتين معا وهما محمد المعتصم وابنه هارون الواثق بعد ان علم بوفاة المعتصم وبيعة ابنه الواثق بالخلافة فقال:
الحمدلله لا صبر ولا جلد
ولاعزاء اذا اهل البلا رقدوا
خليفة مات لم يحزن له احد
وآخر قام لم يفرح به احد
وهذا دليل على جرأة واقدام دعبل، حتى ليم علي ذلك فقال : انا امل خشبتي منذ خمسين عاما فلا اجد من يصلبني عليها!! وكان دعبل مواليا لآل بيت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، مجاهرا في ذلك، وقد عاش قرابة المئة عام فقد ولد عام 148 للهجرة وتوفي بحدود 247، واشهر قصائدة الأبيات التائية التي مدح بها آل رسول الله التي يقول فيها :
على العرصاتِ الخاليات من المها
سَلامُ شَج صبٍّ على العَرصاتِ
فَعَهْدِي بِهَا خُضرَ المَعاهِدِ، مَأْلفاً
وبالرُّكنِ والتَّعَريفِ والْجَمَرَاتِ
لياليَ يعدين الوصالَ على القلى
ويعدي تدانينا على الغرباتِ
وإذ هنَّ يلحظنَ العيونَ سوافرا
ويسترنَ بالأيدي على الوجناتِ
وإذْ كلَّ يومٍ لي بلحظيَ نشوة
يبيتُ لها قلبي على نشواتي
فَكَمْ حَسَراتٍ هَاجَهَا بمُحَسِّرٍ
وقوفي يومَ الجمعِ من عرفاتِ !
أَلَم تَرَ للأَيَّامِ مَا جَرَّ جَوْرُها
على الناسِ من نقصٍ وطولِ شتاتِ؟
وَمِن دولِ المُستَهْترينَ، ومَنْ غَدَا
بهمْ طالباً للنورِ في الظلماتِ؟
فَكَيْفَ؟ ومِن أَنَّى يُطَالِبُ زلفة ً
إلَى اللّهِ بَعْدَ الصَّوْمِ والصَّلَواتِ
سوى حبِّ أبناءِ النبيِّ ورهطهِ
وبغضِ بني الزرقاءِ و العبلاتِ ؟
وهِنْدٍ، وَمَا أَدَّتْ سُميَّة ُ وابنُها
أولو الكفرِ في الاسلامِ والفجراتِ ؟
هُمُ نَقَضُوا عَهْدَ الكِتابِ وفَرْضَهُ
وحُلْمٌ بِلاَ شُورَى، بِغَيرِ هُدَاة ِ
وَلَم تَكُ إلاَّ مِحْنَة ٌ كَشَفتْهمُ
بدعوى ضلالٍ منْ هنٍ وهناتِ
تُراثٌ بِلا قُربى وَمِلكٌ بِلا هُدىً
وَحُكمٌ بِلا شورى بِغَيرِ هُداةِ
رزايا أرتنا خضرة َ الأفقِ حمرة ً
وردتْ أجاجاً طعمَ كلَّ فراتِ
وَمَا سهَّلَتْ تلكَ المذاهبَ فِيهمُ
على الناس إلاّ بيعة ُ الفلتاتِ
وما نالَ أصحابُ السقيفة ِ إمرة ً
بدعوى تراثٍ، بل بأمرِ تراتِ
ولو قلَّدُوا المُوصَى إليهِ زِمَامَها
لَزُمَّتْ بمأمونٍ مِن العَثَراتِ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق