المقالات

غسيل الكبت

في كل منزل هناك غرفة فيها كبت وهناك من هو مكلف بمهمة غسيل محتويات الكبت عندما تتسخ ليعيد لها نظافتها، ونستطيع ارتداءها مرة اخرى بكل ثقة او دون خجل امام الاخرين، ولا يخفى على أحد أن الانسان عرف مهنة الغسيل منذ مئات السنين وليست وليدة هذه الايام او الأشهر الماضية، وطرق الغسل متنوعة ومتطورة بحسب الزمان والمكان ومحتويات الكبت.
وبالعودة لفترة الاحتقان السياسي قبل سنوات والتعرف على نوعية الغسيل ومحتويات الكبت في تلك الفترة يسهل علينا فهم الاحداث الحالية وما آلت إليه الامور وما وصلنا إليه هذه الأيام، في فترة الاحتقان السياسي برزت قلة قليلة من الغسالين في عدة مجالات وتم تقسيم محتويات الكبت ومهمة الغسيل بينهم، منهم من كان نصيبه ملابس الإعلام ومنهم من كان نصيبه ملابس الدين وهكذا ملابس الاساتذة الاكاديميين وملابس المثقفين وملابس المشاهير في برامج التواصل الاجتماعي، هؤلاء الغسالين تم تلميعهم لنا ليتصدروا المشهد في البرامج التحليلية والصحف، وأينما نذهب نجدهم أمامنا ولم نكن ندرك أن مهمتهم هي غسيل الأفكار وتوجيه الرأي العام والعبث بنسيج المجتمع وهدم القيم في النشء، ومحاربة تلك العيون التي كانت تحرس قيم المجتمع والاخلاق والمال العام حتى اصبح الحارس الامين شيطاناً يجب التخلص منه.
في ذلك الوقت، كان الكثير اما يعاني من السطحية والجهل وحسن النية او اللامبالاة والخوف، فكانت القشة التي قصمت ظهر الصادقين من الاعلاميين ورجال الدين والسياسيين كاملي الدسم والمفكرين والمثقفين فاختاروا الابتعاد والانعزال بعد ان كسرت ظهورهم، في ذلك الوقت كان صانعو هؤلاء الغسالين يحققون مكاسب كثيرة، وبعد ان احكموا قبضتهم وتم اقصاء من يعارض افكارهم اصبح لديهم اموال طائلة نتيجة مص جيوب البسطاء والضحك عليهم وبيعهم الاوهام والوعود، ولأن المال ليس نظيفاً وملوث ومتسخ فكان من الطبيعي صناعة غسالين جدد او تحويل مهنة الغسالين القدامى من غاسل الافكار الى غاسل أموال.
إن ما وصلنا اليه وما ألت اليه الامور نتيجة طبيعية لان معظمنا مشارك بتسهيل عمليات الغسيل المختلفة والمتنوعة اما بقصد او بدون قصد، فقد كنا نردد افكار الغسالين ونصفق لهم ونتتبع خطواتهم بإعجاب، للهروب من الواقع ومن المسؤولية حتى اصبح النشء بلا رقابة حقيقية دون افراط او تفريط، وأخلاق وأموال البسطاء وحقوقهم بلا حارس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق