المقالات

أطعت مطامعي فاستعبدتني ولو أني قنعت لكنت حرا

الناقص أيها السادة لا في العير ولا في النفير، ومارأيت ناقصا إلا وكان جبانا، لذا  تجد الناقص يكره الكامل والكمال لله وحده، فإذا ذمني الناقص فذمه لي دليل فضلي لأن الناقص لايحب الفاضل لما بينهما من تباعد، وما أكثر الناقصين الذين يذمون الكُمل أولي الرأي والبصيرة النافذة، وقد قال أبو تمام في ذلك:
لقد آسف الأعداء مجد ابن يوسف
وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع
وعلى نفس السياق قال مروان بن أبي حفصة:
ما ضرني حسد اللئام ولم يزل
ذو الفضل يحسده ذوو التقصير
مثل من يصب جام غضبه على الدولة الأموية جهلا بما قامت به من فتوحات وصلت الى باريس، ولن تجد في هذه الدنيا العريضة من يذم أحدا إلا وكان أفضل منه، ليس ذلك فحسب وإنما لاقياس بينهما، والمذمة على غير دراية نقصان في عقل الذام، لذا فبيت المتنبي هذا صالح لكل زمان ومكان حتى ينفخ في الصور، وكل إنسان تخرجه بيئته فإن كانت صالحة كان صالحا وإن كانت فاسدة كان فاسدا، والناقص عندما يطلق لسانه في حق الكامل إنما يكشف عن الحقد الدفين في قلبه والحسد والغيرة، فمن حق أهل الكمال أن يفتخروا فلا بأس في ذلك كقول المتنبي:
ما نال أهل الجاهلية كلهم
شعري ولاسمعت بسحري بابل
إن اهل الجاهلية ما نالوا مثل شعره، وكذلك أهل بابل لم يسمعوا مثل سحري لأنه رقيق الشعر يختار المعاني التي تأتي مثل السحر بل أجود منه لجودة شعره، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكمة» رواه البخاري.
هذا ما قاله أبو الحبيب أحمد بن حسين بن الحسن بن  عبدالصمد الجعفي الكندي الشهير بأبي الطيب المتنبي، أمير الشعر العربي وأعظم الشعراء على الإطلاق، وهو حقيقة نادرة زمانه، ولد في الكوفة وقدم الشام في صباه وجال في أقطاره واشتغل في فنون الأدب وبرع فيها، وكان مكثرا لنقل العربية ومطلعا على حواشيها وغريبها ومن جميل أشعاره قوله:
رماني الدهر بالأرزاء حتى
فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام
تكسرت النصال على النصال
وقوله أيضا وأحسن ما شاء :
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب
وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
ألا ليت شعري هل أقول قصيدة
ولا أشتكي فيها ولا أتعتب
والحديث عن المتنبي طويل وقد ولد سنة ثلاث وثلاثمئة وقتل سنة اربع وخمسين وثلاثمئة للهجرة رحمه الله وأكتفي بهذا القدر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق