المقالات

سياحة داخلية

توقفت حركة الطيران، وها هو الوطن يبتسم، فأبناؤه هذا الصيف مجتمعون من حوله، يتزينون بملابسهم الجميلة والجديدة التي اعتادت أن تسكن حقائب السفر في مثل هذا التوقيت من كل سنة، وأصواتهم وضحكاتهم تملأ شوارعه وشواطئه وضواحيه رغم كل الظروف الاستثنائية.
فهل نذكر يا ترى كيف كنا نتوق شوقاً إلى إجازاتنا الصيفية لننطلق نحو جميع الوجهات السياحية في الكرة الأرضية؟ هل نذكر كيف كنا بمجرد ركوب الطائرة نتحول إلى شعوب ملتزمة وحضارية ومثالية؟ هل نذكر أن جميع أنواع المخلفات التي ننثرها في أرجاء أوطاننا طوال السنة كنا نتعامل معها بحذر ورقة عندما نسافر؟ هل نذكر الكم الهائل من المخالفات المرورية والقانونية التي نرتكبها سنوياً قبل السفر ونحرص على تجنبها بكل حذر والتزام أثناء رحلاتنا الاستجمامية؟ هل نذكر أننا كنا نعود من تلك المغامرات لنتغنى بحضارة الشعوب الأخرى وتفانيها في العطاء ومدى روعة النظام والعيش في ظل القانون؟!
يا أخي في الوطن، إياك والتخلي عن وطنك مهما جارت عليك الأيام، ولا تجعله يفاجئك ! فهو موجود في كل تفاصيل حياتك مهما ابتعدت أو تغربت أحوالك، هو النهاية الحتمية لكل مغامراتك، وهو وحده يكون دوما الشاهد الأول على إخفاقاتك، هو والدك الحنون الذي ينظر إليك بعتب، كلما اعتليت منصة لتفتخر بعثراتك ! هو التراب، منه خلقت، وإليه آخر رحلاتك.
يا أخي في الوطن إياك وأن تقسو عليه، ففي كل غربة قصيرة ستجد الوطن ينتظرك عندما تخرج من بوابة المطار، في كل غربة قصيرة ستبدأ يومك بالشوق إليه، وتمسي على أعتاب الليل نادماً على فراقه.
في كل غربة طويلة ستتمنى أن تدفن في أي شارع من شوارع الوطن، تحت عامود إنارة! في كل غربة مهما كانت مدتها ستبحث عن الوطن، ويفشل البحث .. هو وحده من لا ينساك وفي ليالي الفراق يناديك.
في الوطن أحباب اصطفوا يعرفون ما يسلي روحك وما يرضيك، وشجرة لطالما حدثتها عن غدك ستبقى للأبد تحتضن كل أمانيك، حتى إذا غدا وطنك ضعيفاً فهو من يحميك، وحتى إذا أصابه المرض والوهن فنسماته العليلة هي وحدها من تداويك! الوطن هو حنينك لأمك العزيزة فلا تترك حضنها طفلا ولا تتركها لويلات الشوق تتمنى أن تلاقيك.
يا ليتنا نعامل أوطاننا كما نعامل الوجهات السياحية، فنحترمها كما تحتوينا، ونرفع من شأنها كما تمثل مستقبلنا وحاضرنا وماضينا، يا ليتنا نمارس في أوطاننا على أقل تقدير «سياحة داخلية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر + 14 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق