دوليات

النظام الدولي وفرض الأمر الواقع من تركيا إلى إثيوبيا

لم تعد الدول التي تريد الحصول على مكتسبات غير شرعية بحاجة إلى القيام بالتفافات سياسية طويلة المدى، بل يكفي أن تعلن عن رغبتها وتشرع في تحقيقها رسميا وبصورة مباشرة، وتتصرف بموجب الحالة الجديدة دون حذر أو خوف من عقوبات أو تهديدات من قبل قوى دولية، فطالما امتلكت إرادة قوية وهدفا محددا تنطلق غالبا وهي غير عابئة بردود الأفعال التي أصبحت محصورة في نطاق التصريحات.
من يتابع تحركات أنقرة في شرق المتوسط وبحر إيجه وسورية والعراق وليبيا، يتأكد أن ضرب عرض الحائط بالشرعية الدولية سمة تركية بامتياز. ومن يراقب تطورات السياسة الإثيوبية في أزمة سد النهضة تتعزز لديه قناعات بأن الأمر الواقع بات طاغيا عليها، ربما لأول مرة نجد عددا من المسؤولين الكبار يعلنون عن انتصارات مادية ومعنوية في قضايا تمس هيبة القوانين الدولية.
كانت إسرائيل تمثل حالة صارخة وفريدة في هذه المسألة، ومع ذلك استغرق تكريس هذه السياسة عقودا، وعندما تتجاوز في انتهاكاتها حدود المنطق تتصدى لها قوى عدة، بما فيها الولايات المتحدة أحيانا.
لماذا الصمت على أنقرة وهي تتسلح بأدوات عديدة تتناقض مع ما استقر في ضمير العالم؟ ولماذا عدم الاكتراث بما اتخذته أديس أبابا من إجراءات تفضي إلى تحويل نهر دولي إلى بحيرة محلية؟ 

التمرد على النظام
بدأت بعض الدول تطور نماذج التجاوز التي عرفت خلال السنوات الماضية، وهي محدودة ومرتبطة بدول متمردة على النظام الدولي، ولجأت إلى وسائل تحايلية تنتظر ترسيخها عبر آلة الزمن، وتخجل من الإعلان عنها أو التفاخر بها، وتعلم أن هناك قوانين رادعة يمكن توظيفها في لحظة معينة لوقف الخروقات. الآن هناك جرأة مبالغ فيها، ما لم تفق القوى الدولية الكبرى قد يتحول العالم إلى غابة تَصْعب السيطرة فيها على الدول الشاردة، فتركها وعدم مواجهتها يمنحان الآخرين جرأة مضاعفة.
وطورت تركيا تصوراتها السلبية عندما تيقنت أن العالم يمر بحالة نادرة من السيولة تسمح لها بالتوسع وجني ثمار متباينة، وقد استثمرت في الفوران الذي تموج به بعض الأزمات، وأقدمت على خطوات لم تكن تحلم بها، أو فكرت في ذلك ووجدت ممانعة وقوى صلبة تقف عائقا في طريقها، وحرصا على تطبيق هامش من القوانين الدولية.
لعل الطموحات التي راودت أنقرة للتدخل في سورية منتصف التسعينات من القرن الماضي تمثل شاهدا على عودتها إلى رشدها آنذاك، حيث وجدت من يردعها، ولعل عودتها إلى هذا الحلم دون أن تجد من يتصدى لها حقيقة تكشف الجانب المقابل، وحتى من حاولوا الوقوف في وجهها تراجعوا وتركوا لها اختيار الطريقة المناسبة، أو تقاسموا معها النفوذ ضمنيا، وتفاهموا معها على ترتيب الأولويات، وبدأت تتمدد في مناطق عدة عندما وجدت غطاء يحميها، وتحقق لأصحابه فوائد على الساحة الدولية.
ارتكبت أنقرة الكثير من الموبقات السياسية والقانونية، واكتفت القوى الرافضة بحملة من التنديدات والتصريحات الرافضة لها. لعبت على التناقضات، ونجحت في تعظيم مكاسبها، وجعلت التحركات التي قامت بها واقعا يسلم به البعض ويتعامل معه على أنه ضمن المكتسبات التركية.

التاجات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق