المقالات

أطعت مطامعي فاستعبدتني ولو أني قنعت لكنت حرا

هذا البيت نظير قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي، رضي الله عنه وأرضاه:
العبد حر إن قنع
والحر عبد إن طمع
فاقنع ولا تطمع فلا
شيء يشين سوى الطمع
وقد قالت العرب في أمثالها : مصارع الرجال تحت بروق الطمع، وهذا المثل الرائع يدعونا الى القناعة، والحقيقة أن الطمع صفة سيئة في الإنسان لأن الطمع يكون معه سوء الخلق واستعجال الرزق وعدم الرضا بما قسمه الله تعالى لنا، وتمني ما لدى الغير، وقد قال الله، عز وجل: «فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون». «التوبة55».
والطمع في اللغة الشره والاستحواذ على ما فوق الحاجة، ولله در القائل «الدنيا ساعة فاجعلها طاعة والنفس طماعة فعودها القناعة». والطمع والقناعة ضدان لايجتمعان، وقد قال الرجل الصالح بشر بن الحارث الحافي:
أفادتنا القناعة أي عز
ولاعزا أعز من القناغة
فخذ منها لنفسك رأس مال
وصير بعدها التقوى بضاعة
يقول أبو العتاهية :
طلبت المستقر بكل أرض
فلم أر لي بأرض مستقرا
أطعت مطامعي فاستعبدتني
ولو أني قنعت لكنت حرا
وأبو العتاهية يعد شاعر الحكمة والزهد الأول في الدولة العباسية وهو إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان العيني مولى عنزة وكنيته أبو إسحاق، وأمه أم زيد بنت زياد المحاربي مولى بني زهرة القرشين، أما سبب كنيته بأبي العتاهية أن الخليفة محمد المهدي قال له:  أنت إنسان متحذلق معته، فاستوت من ذلك كنية غلبت عليه دون اسمه، وقد ولد في عين التمر قبل قيام الدولة العباسية بسنتين سنة مئة وثلاثين للهجرة، وعرف بأنه من أفضل شعراء وقته غزير البحر، لطيف المعاني، سهل الألفاظ، كثير الافتنان قليل التكلف، وقد وصف الأصمعي شعره بأنه كساحة الملوك، يقع فيه الجوهر والذهب والتراب والخزف والنوى، وقال في حقه سلم الخاسر الشاعر : أشعر الإنس والجن، وقال ابن الاعرابي: لم أر شاعرا قط أطبع ولا أقدر على بيت منه، وما أحسب مذهبه إلا ضربا من السحر، قيل لأبي العتاهية: كيف تقول الشعر؟ قال : ما أردته قط إلا مثل لي، فأقول ما أريد واترك مالا أريد.
عاش أبو العتاهية شطرا من دولة بني العباس  حتى ناهز التسعين سنة او دونها قليلا، وعرف في خلافة محمدا المهدي العباسي وعاش حتى شطرا من خلافة عبدالله المأمون سابع خلفائهم  وفي عهده مات سنة 211 للهجرة، ومن شعره في الحرص:
أذل الحرص والطمع الرقابا
وقد يعفو الكريم إذا استرابا
إذا اتضح الصواب فلا تدعه
فإنك كلما ذقت الصوابا
وجدت له على اللهوات بردا
كبرد الماء حين صفا وطابا
وفي هذا القدر كفاية، ودمتم سالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 − ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق