المقالات

الأوطان تحتاج إلى جميع أبنائها

الأوطان التي تتمتع أنظمة الحكم فيها بالديمقراطية، هي أوطان تحترم حقوق الإنسان، ويتوافر فيها مناخ للتنمية والتقدم والازدهار، ومن نافل القول إن الديمقراطية تقوم على تعدد الآراء، وعلى الخلاف حول طبيعة الطرق التي تؤدي إلى المقاصد الوطنية.

وإذا كانت الديمقراطية سياسياً هي شكل من أشكال الحكم، فإنها أيضاً ثقافة عامة تقوم على احترام الرأي الآخر وتقدير أهميته رغم الخلاف معه، انطلاقاً من أن مجمل الآراء المتعددة تمثل جوانب مختلفة للحقيقة، قد لا يحيط بها عقل الفرد بل يحيط بها ويدركها العقل الجمعي، فحكمة الجمهور دائماً أكثر دقة من حكمة الفرد مهما بلغ من قدرة على إدراك الواقع، ولذلك احترام الرأي الآخر والدفاع عن حق الآخرين في إبداء آرائهم مقياس أساسي لمدى ديمقراطية الشخص وإنسانيته، ومن هنا لا يمكن أن نكون ديمقراطيين من دون أن نتمتع بثقافة الاختلاف وأخلاقياته، والدفاع عن حق الآخرين بالاختلاف معنا؛ فالرأي المخالف ليس خطيئة بل فرصة تمكننا من إعادة فحص آرائنا ومراجعتها، وإخضاعها للنقد والتفكير، ولذلك لا تتعامل الدول الديمقراطية مع الرأي المخالف على أنه جريمة بل حق أصيل من حقوق الإنسان، ودليل على اهتمامه بالشأن العام لبلاده، وتمتعه بحس وطني عال.

لا بد أن تترجم ثقافة الاختلاف إلى اخلاقيات رفيعة تنظم هذا الاختلاف وتحكمه؛ أولها احترام الرأي الآخر، واحترام صاحب الرأي والدفاع عن حقه في الخلاف، وثانيها إدراك أن مساحة الرأي محل الاختلاف ضيقة، بينما مساحة اللقاء والتعاون واسعة، والنظر إلى اختلاف الآراء على أنه فرصة للتعاون في أمور أخرى، وهذا يتطلب عدم التشكيك بالنوايا مهما بدت الآراء متعارضة، وثالثها، وهو الأهم، أن تتركز أدبيات الخلاف على نقد الرأي وتفنيده، وليس على نقد الشخص وتخطيئه؛ مع الحفاظ على لغة الحوار الراقية التي تعلي من شأن الأشخاص وتحفظ كرامتهم مهما كان خلاف الرأي شاقاً.

الأوطان تحتاج إلى جميع أبنائها، وترتقي حياتها السياسية والفكرية والاجتماعية وتزداد غنى وثراء بالحوار وتعدد الآراء واختلاف الرؤى والتصورات، وحين تغيب ثقافة الاختلاف، تُصاب حياتها السياسية والفكرية والاجتماعية بالتوتر، مثلما يُصاب الجسم السليم بالمرض، فيذهب به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر − 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق