المقالات

صناعة الوهم

فلنتصور مجازا أن كل هذا الرعب الذي نعيشه بسبب فيروس «كوفيد-19» هو مسرحية تراجيدية من إبداع الشركات الكبرى وأصحاب رؤوس الأموال، لأنه واهم من يظن أن العالم تسيره الحكومات، الشركات الكبرى والمتعددة الجنسية هي من تقرر ماذا نلبس وماذا نأكل وماذا نفعل في خلواتنا وعطلنا، هي من تحدد القيمة والفائض، وتسير السياسيين بمواقفها، الديموقراطية ليست سوى أسلوب جديد للاستلاب الطوعي. فالتخطيط الدقيق الذي لا نستوعبه نسميه بسذاجة أكبر، مؤامرة، العالم لا تحكمه الصدف، الكل مدبر بدقة متناهية، تهيأ فيه الأسباب والظروف للحصول على النتائج المتوقعة، ولا مجال للخطأ.

لكن بالمقابل أليس من الممكن أن تكون نظرية المؤامرة بحد ذاتها مؤامرة لضرب وعي المجتمعات في التعامل مع الأحداث؟! إن الوعي الجمعي العالمي بصفة عامة والعقل العربي على وجه الخصوص يؤمن بدرجة كبيرة بنظرية المؤامرة، خاصةً في ظل مؤامرتين كبيرتين في تاريخ العرب الحديث، الأولى وعد بلفور المشؤوم، أما الثانية فهي اتفاق سايكس بيكو بين بريطانيا وفرنسا، والذي فضحته الثورة البلشفية في روسيا.

إن تحليلنا وإدراكنا لا يترك مجالا لفهم العالم كما هو، ونحاول دائما اختصاره بآليات مختلفة واكتشاف أنماطه وفهم أسبابه ونتائجه، فحين نعيش العديد من الأزمات في مختلف المجالات بدون سبب واضح، أو وفق أنماط يصعب علينا تحليلها، لا يجب علينا أن نصدق أنها نتيجة حتمية للعشوائية، فعندما وضع شرودر نظريته في فيزياء الكم استنادا الى تجربته الشهيرة «قطة شرودر»، باستعمال قطته وصندوق ومادة مشعة ومحفز لتحللها، برهن لنا على وجود احتمالين، إما ان القطة حية أو أن المادة المشعة تحللت فقتلت القطة، إذن نحن أمام قطة حية – ميتة ما لم نرصدها داخل الصندوق، إذن فالكل يعتمد على الفعل والتصور والملاحظة ولا توجد عشوائية في الحياة، مثل الفوتونات الضوئية فهي توجد في كل مكان على شكل موجة لكن عند الرصد تتمثل في جُسيم، تماما كالأحداث، يجب رصدها وتتبعها، فخلال النصف الثاني من القرن العشرين لا توجد صدفة في بناء الأحداث، وربما ما يظهر لنا في المشهد هو عكس ما يوجد عند الرصد.

وهذه ليست دعوة لتصديق نظرية المؤامرة، فلربما واضعوا هذه النظرية أنفسهم أسسوها من أجل استلاب عقول الناس التواقة في تحليلاتها للغرائبية، من أجل صدهم عن رؤية الحقيقة والبحث عنها عبر إذكاء الأسئلة التي تحفز الإجابات.

كما انني شخصيا مقتنع تماما بأن القطة السوداء التي صادفتها اليوم صباحا عند خروجي من المنزل ليست هي من سيفسد يومي، وإنما تصديق ذلك هو بالفعل من سيفسد اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق