المقالات

حكاية شمس

كنت أجلس إلى قريبة لي مُعمرة قد أدركت عصر العبيد والجواري. فكنت أسألها عن وضع الإماء في ذلك العصر وطريقة معاملتهن وهل كن حقاً يعاملن كالحيوانات كما نسمع من بعض من أدرك ذلك العصر، أم أنهن كن مدللات مُنعمات كما تحكي لنا كتب التراث العباسي والأندلسي أم أنهن كن في منزلة بين المنزلتين كما هي حكاية كتب التراث العثماني التركي تحت ما يسمى بالحريم، وعلى كل فعلى جميع الأحوال فقد كن جواري للمتعة أو للخدمة.

حدثتني قريبتي، فكان مما حدثتني به أنها كانت تذهب أحياناً إلى جارة لها تعرفها تعمل بمنزلة مديرة مركز نقاهة آنذاك يحوي ممرضات يقمن بواجبهن في ذلك المركز الذي هو تابع لأحد الوجهاء.

مهمة ذلك المركز هي إعادة التأهيل الصحي للجواري اللواتي تم إجهاضهن بعد أن حملن من أسيادهن، فكان بعض الأسياد إذا حملت جاريته منه دفعها إلى بعض خدمه الذكور فطعنوا بطنها بالمنخاس فأسقطت حملها، وذلك من أجل أن يستطيع السيد إعادة بيعها أو إهدائها، فالمجتمع آنذاك كان متديناً وكانت الفتوى قد استقرت على أنه لا يجوز بيع أم الولد، فإذا سقط جنينها ذهبوا بها إلى مركز النقاهة هذا فنظفوا رحمها واعتنوا بها حتى تستعيد صحتها فيعيدوها إلى قصر سيدها لتُعاد الكرة من جديد.

حدثتني قريبتي عن شمس وما أدراك ما شمس، كانت شمس كاسمها في جمالها، تحمل روحاً قد ذُبحت، فأقامت لنفسها مأتما تُساءل من تراه: لم تُعاقب وما تدري قط ما أذنبت، خُطفت شمس من أمام منزلها عندما كانت طفلة تلعب في مزرعة أبيها، ثم بيعت فلم يبالِ أحد بقصتها فالكل يعرفها، فمتى كانت الحقيقة مطلبا ومقصدا.

عملت حكاية شمس عملها في مشاعري، لكنها لم تؤثر قط في قريبتي، فقد نشأت وتربت في بيئة قد اعتادت على مثل ذلك، فالعادة هي السعادة عند المجتمع البدائي، فلم تتعد شمس كونها مخلوقاً لقضاء وطر الأسياد، ولم يتعد الخدم الذين كانوا ينخسون بطون الإماء، كونهم خدماً، ولم يزل المجتمع بدائياً كما كان، تحكمه العادة والمألوف.

هل ماتت شمس أم لا تزال حية؟ لا أدري، ولكن الذي أعتقده: أن الثقافة التي استرقت حرية شمس ونخست بطنها وأسقطت جنينها، لا تزال حية في معناها وإن غابت صورتها، فحكاية شمس لا يخلو منها تاريخ مجتمع من المجتمعات الغربية أو الشرقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة + 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق