المقالات

أشاب الصغير وأفنى الكبير .. كر الليالي ومر العشي

بيت حكم  بين فيه صاحبه ما تدور عليه دوائر الأيام وصروف الزمان وما تحمل هذه الأيام والليالي من مصائب ومحن أفنت الكبير وأشابت الصغير، فهي لا تقف عند غاية ولا تعرف فيما تجري فيه نهاية، فمن عادتها تغيير الأمور وتحويل الأحوال، تضحكنا مرة وتبكينا مرارا حتى إنها تجعل الكبير حقيرا والصغير كبيرا ثم يقول :

إذا ليلة هرمت يومها

أتى بعد ذلك يوم فتي

ويتابع على نفس السياق فيقول: كلما خلقت جدة يوم جاء بعدها يوم آخر فتي جديد، وهكذا حال الليالي والأيام بذهب يوم ويأتي آخر، فاللهم أحسن خاتمتنا، ويقول أيضا:

نروح ونغدو لحاجاتنا

وحاجة من عاش لا تنقضي

ما أكثر حوائجنا في هذه الدنيا فهي لا تنتهي مادمنا نعيش بها، فنحن فيها ندأب في حاجاتنا فلا نحن نمل ولا حاجاتنا تفنى أو تقل، ولا الوقت يقف بنا ولا واحد منا ينتظر أو يتوقف فذو العيش مآربه متصلة وأوقاته دائرة متتابعة، وقول هذا الشاعر «هرمت يومها» في البيت الثاني أي ضعفته مسلما للزوال، ولا شك أن المرء مادام حيا فمآربه وشهواته تتجدد تجدد الأوقات وأمانيه تتصل ما اتصل عمره، فإذا جاء أجله وتناهى أمده انتهت مآربه ووقفت مطالبه وهذه سنة الحياة، لذا قال في هذا المعنى بعد ذلك:

تموت مع المرء حاجاته

وتبقى له حاجة ما بقي

إذا قلت يوما لمن قد ترى

أروني السري أروك الغني

وقوله هنا: إذا قلت يوما لمن قد ترى، معناه إن سألت كل من تقع عليه عينك من المميزين عن سراة الرجال وكرامهم أحالوا على المثرين وإن ضعفت رغباتهم في اكتساب الخير واستجلاب الحمد والرجل السري هو السخي في مروءة، ويقول كذلك :

ألم تر لقمان أوصى بنيه

وأوصيت عمرا ونعم الوصي

ترى بماذا أوصى ابنه؟ يقول :

بني بدا خب نجوى الرجال

فكن عند سرك خب النجي

هو يوصي ابنه بأنه إذا ناجى صاحبا له فليكن خبا فيما يودعه من سره فإن نجوى الرجال إذا بدا خبها ومكر أربابها فبها عادت وبالا وفضيحة، هذه الأبيات الرائعة يقولها الشاعر الصلتان العبدي، واسمه : قثم بن خبية بن قثم بن كعب بن سلمان العبد قيسي، وقد عاصر شطرا من الخلافة الراشدة وخاصة خلافة علي بن أبي طالب، فكان ضد الخوارج وقد امتد به العمر فعاش حتى خلافة عبدالملك بن مروان، وله شعر في الحكم والأمثال والقيم والوصايا التي تحث على مكارم الأخلاق، وقد لقب بالصلتان العبدي لقوله :

أنا الصلتاني الذي قد علمتم

متى ما يحكم فهو بالأمر صادع

والصلتان بفتح الصاد المشدودة واللام والمعنى الشديد الصلب من الرجال والجمع «صلتان» بكسر الصاد، يذكر أنه شهد وقعة صفين الى جانب علي بن أبي طالب، فقد كان مؤيدا له، وقد توفي سنة ثمانين للهجرة، وقد هجا جرير الشاعر فقال :

أعيرتنا بالنخل مذ كان مالنا

وود ابوك الكلب لو كان ذا نخل

وأي نبي كان من غير قرية

وهل كان حكم الله إلا مع الرسل

وفيما ذكرته كفاية. دمتم سالمين في امان الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق