المقالات

ولما رأيت الشيب لاح بياضه بمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا

هذا شاعر مؤمن بأن العمر مراحل، فما بعد الشباب إلا المشيب فهو راض بمشيب مفرق رأسه وتوديعه الشباب، ليس ذلك فحسب ولكنه لم يتضايق بتقدم سنه بل قال «مرحبا بالشيب»، ومعنى البيت لما رأيت الشيب اشتعل رأسي ببياضه طيبت نفسي بطلوعه وقلت له: أتيت رحبا وسعة ولو كان كرهي للشيب وعدم قبولي به نافعا لكففت عن اظهار الرضا به، إلا أنه امر لابد منه، فالصبر حيال هذا الأمر أجدر بي، فلا دافع لأمر الله تعالى، هذا البيت يقوله الشاعر يحيى بن زياد بن عبيدالله الحارثي، وهو من شعراء أوائل الدولة العباسية من اهل الكوفة، وصف بالمجون رغم إنه ابن خال اول خليفة عباسي عبدالله السفاح، وقد اتهم بالزندقة لمصاحبته صالح بن عبد القدوس، ومع ذلك كان أديبا ظريفا، ومن شعره السائر قوله:
والمرء تلقاه مضياعاً لفرصته
حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
وهو القائل أيضاً:
ولما رأيت الشيب لاح بياضه
بمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا
ولو خفت أني إن تركت تحيتي
تنكب عني رمت أن يتنكبا
ولكن إذا ماحل كره فسامحت
به النفس يوما كان للكره أذهبا
وهذا الشاعر ذكر في ترجمة مطيع بن إياس وله مدائح في عبدالله السفاح ومحمد المهدي وفي يحيى بن زياد، يقول حماد الراوية:
لامؤمن يعرف إيمانه
وليس يحيى بالفتى الكافر
منافق ظاهره ناسك
مخالف الباطن والظاهر
وقد توفي هذا الشاعر في خلافة محمد المهدي الخليفة العباسي الثالث، أما السفاح الذي ورد ذكره فهو أبو العباس عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب بن هاشم أول الخلفاء العباسيين، بويع بالخلافة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومئة للهجرة وكانت بيعته في الكوفة ثم انتقل الى الأنبار، وأمه رايطة بنت عبيدالله الحارثي من بني عبد المدان، وقد ولد بالشراة سنة خمس ومئة واستخلف وهو ابن سبع وعشرين سنة وكان أصغر سنا من أخيه المنصور، لقب بالسفاح لما سفح من دماء المبطلين، ولم تطل خلافته فقد توفي في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومئة، وصلى عليه عمه عيسى بن علي  ودفن في قصره بالأنبار القديمة وروي أنه لما دخل الطبيب عليه في مرضه الذي مات منه أخذ يقول:
أنظر الى ضعف الحراك
وذله بعد السكون
ينبيك أن بيانه
هذا مقدمة المنون
فقال له الطبيب : أنت صالح، فقال السفاح :
يبشرني بأني ذو صلاح
يبين له وبي داء دفين
لقد أيقنت أني غير باق
ولاشك إذا وضح اليقين
وقيل أن آخر ماتكلم به هو : الملك لله الحي القيوم ملك الملوك وجبار الجبابرة، وقد رثاه أبودلامة فقال:
أصبحت بالانبار يابن محمد
لاتستطيع  من البلاد حويلا
ويلي عليك وويل أهلي كلهم
ويلا وعولا في الحياة طويلا
فلتبكين لك النساء بعبرة
وليبكين لك الرجال عويلا
مات الندى إذ مت يابن محمد
فجعلته لك في التراب عديلا
إن أجملوا في الصبر عنك فلم يكن
صبري ولاجلدي عليك جميلا
وهي أبيات كثيرة، وفي هذا القدر كفاية ودمتم سالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق