المقالات

ماكلف الله نفساً فوق طاقتها ولا تجود يد إلا بما تجد

كلمة حق كتبها الله على خلقه، فقد قال المولى، عز وجل: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولاتحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولاتحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين «البقرة – 286» فالله سبحانه وتعالى لا يكلف عباده بما يشق عليهم وآنما قدر طاقتهم، وهذا ميزان العدل ورحمته بعباده، فهو الرحمن الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه، هذا معنى الشطر الأول من البيت، أما الشطر الثاني فمعناه ان الجود بما يجده المرء، وهو تكملة للشطر الاول بالمعنى، فلا تمسك يدك عن الإنفاق في سبيل الخير بما تجده وتقدر عليه ولا تعط فوق طاقتك، وكن كما قال الحق: «ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا». «الإسراء – 29». ثم يقول هذا الشاعر في بيته الآخر:
ولا تعد عدة إلا وفيت بها
ولا تكونن مخلافا لما تعد
وهذا البيت أخذ من لب القرآن الكريم، فالله تعالى يقول :
«ولاتقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا». «الإسراء – 34»، وقال أيضا :
«الذين يوفون بعهد الله ولاينقضون الميثاق». «الرعد- 20». وآيات كثيرة تحث على حفظ العهد، ولاشك أن الوفاء من القيم الإنسانية العظيمة، خاصة الوفاء بالعهد، اما بيت الشعر فيقوله الشاعر الفقيمي، وهو دكين بن رجاء الراجز المشهور التميمي، له ذكر في خلافة الوليد بن عبدالملك «86-96» كان يتكسب بشعره ويرحل الى الآفاق، وقد مدح مصعب بن الزبير بن العوام عندما كان أميرا على العراق لأخيه عبدالله بن الزبير، ثم مدح عمر بن عبدالعزيز لما كان أمير المدينة المنورة للوليد بن عبدالملك بن مروان، فأمر له بخمس عشرة ناقة كرائم صعابا، يقول دكين : فكرهت أن أرمي بها الفجاج فقدمت علينا رفقة من مصر فسألتهم الصحبة فقبلوا ثم إني استأذنت على عمر لأودعه، ودخلت عليه فقال لي: «يادكين، إن لي نفسا تواقة فإن أنا صرت الى أفضل مما أنا فيه فزرني فبعين ما أرينك، فقلت له : اشهد لي بذلك أيها الأمير، قال إني أشهد الله وهذين الشيخين سالم بن عبدالله بن عمر ومولاي مزاحم، ثم مضت الأيام وتولى الخلافة فأتيته فرحلت إليه ولما وصلت ناديت بأعلى صوتي :
ياعمر الخيرات والمكارم
وعمر الدسائع العظائم
في غيره من رجز يذكره بوعده له، فناداني عمر وقال : يادكين أنا كما ذكرت لك أن لي نفساً تواقة تاقت نفسي الى الخلافة فنلتها ثم تاقت الى الجنة ووالله مارزأت من أمور المؤمنين شيئاً فأعطيك منه وماعندي إلا ألفا درهم، فأمر له بألف، يقول دكين بعد ذلك: والله مارأيت ألفا كانت أعظم بركة منها.
توفي دكين سنة مئة وخمس للهجرة في خلافة هشام بن عبدالملك. أكتفي بهذا القدر ودمتم سالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر + اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق