المقالات

رحمك الله يا والدتي الغالية

الحزن خيّم على صدري، وضرب أطنابه، واستوطن داخل قلبي أيضا، حينما رحلت والدتي الغالية، فقد كان الموقف صعبا للغاية، وطعمه مُرّ لا يطاق، فكيف لا، ووالدتي واريناها التراب قبل أيامٍ قليلة، فمنذ بداية أزمة فيروس كورونا، قمت أنا وأخوتي أن نحافظ على سلامة والدتنا الغالية قدر المستطاع، حتى لا تصاب بهذا الفيروس الفتاك.
الا أن قدر الله عز وجل نافذ ومكتوب، فقد أصابها هذا الوباء، وكان السبب في وفاتها، رحمة الله عليها، ففعلا مصابنا فيها عظيم، فهي التي ربتنا أحسن وأفضل تربية، وكانت تربيتها المميزة على الفطرة، وتعاملنا بكل احترام وأدب وحنان وعطف، وتخاف علينا أكثر من نفسها، وتتابعنا ليلاً ونهاراً ولاتنام إلا وهي مطمئنة علينا جميعاً.
ومنذ صغري حتى هذا اليوم أقسم بالله العلي العظيم لم أتذكر بأني سمعت منها كلمة تغضبني أو تزعلني، ولم أتذكر في يوم من الأيام بأنها صرخت أو نفرت أو قامت بضربي حتى في صغري، وكنت الطفل والشاب والأب والجد المدلل عندها، وعندما تشاهدني كأنها تشاهد أعز ما تتمناه، وأعز ما تريد مشاهدته، وعندما أشاهد وجهها السمح الذي يشرق بالنور والإيمان، أشعر براحة النفس، وراحة البال،
رحمك الله يا أغلى ما في الكون.
قلب الأم لا يعادله الكون بأسره، ولا تصدق من بعد قلبها أنك تجد قلباً يحبك ويعزك مثل قلب والدتك، فمن الممكن أنك تجد، ولكن ليس بدرجة حب قلب الأم لأبنائها، والدليل على كلامي قبل أسبوع من دخول والدتي العناية المركزية، حفظكم الله جميعاً، كانت أختي مرافقة لها في الجناح المختص قبل دخول العناية بساعة تقريبا، طلبت من أختي أن تكلمني فيديو، وتمت المكالمة بيني وبينها وهي في حالة حرجة جداً، وكلمتني وهي تبتسم وتسألني عن حالي وحال أولادي بالاسم، وكانت هذه المكالمة هي «نهاية السعادة» بالنسبة لي.
الحمد لله أولا وأخيراً، ولا أعتقد منا أحد ما شاهد أعمال الخير التي تتصف بها أمهاتنا « الله يحفظ الحي منهن ويرحم المتوفيات»، لقد كانت والدتي وبدون مبالغة وبدون مجاملة، وهذا القول أحاسب عليه يوم القيامة، ترعى الأيتام وتقوم بدفع الخير والخيرات لجمعية المساكين والمحتاجين، وترعى الضعفاء الذين أصبحت لديهم أسر وبيوت من فضل الله، ثم فضلها عليهم، ويشهدون بذلك.
كانت تستقطع من راتبها وراتب والدي رحمه الله مبلغاً كبيراً لمساعدة هذه الأسر، وكانت توفر قدر ما تستطيع لكي تسعد الغير، وكانت ترى فرحتهم وأسرهم هي السعادة بالنسبة لها، وكانت تقدم جميع ماتملك للجان الخيرية، وأعمال الخير، وكانت تتواصل مع المحتاجين، ولا تفرق بين أحد، وكانت تتميز بعلاقاتها مع الجيران والأهل والأقرباء، وكانت محبوبة عند الجميع، وكان الجميع أحبابها وأعزاءها ووالدة الجميع، وبدون مبالغة لقد تلقيت المكالمات الكثيرة التي لم نكن نعرف أن أصحاب هذه الأرقام تربطهم علاقة مع والدتنا، وهي رابط الخير والصدقة، وكم وكم من اتصال ورسالة دعاء ورحمة ومغفرة على روحها الطاهرة، لكن أقول قدر الله وما شاء الله، والموت حق لا مفر منه، وكلنا أموات، وبلقاء الله مؤمنين، ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فقد حاولت أن أعبر عن عَبرة وخنقة في صدري وقلبي، وأرجو العذر إن كانت الكلمات حزينة، وصدقوني على كثر ما أردت أن أكتب وأعبر، أعتبر نفسي مقصراً معها، وقليل بحقك يا أم الأيتام، رحمك الله، ونطلب من العلي القدير أن يتقبلك بين يدي رحمته، وأن يجعل منزلك الفردوس الأعلى وأن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة .. اللهم أمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − 14 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق