المقالات

الحكومة في «قفص القروض»

تقول الحكمة: التاجر المفلس يفتش في دفاتره القديمة. حكومتنا تواجه مشكلة عجز في الموازنة بسبب تداعيات أزمة كورونا التي قلصت من الإيرادات وزادت من المصروفات بصورة كبيرة، ما أدى إلى حدوث فجوة في الموازنة العامة. الحكومة لم تفعل ما يفعله التاجر الذي يحتاج إلى المال فيفتش في دفاتره القديمة، بل لجأت إلى الاستدانة. الفجوة الحالية في الموازنة تبلغ 14.8 مليار دينار، وقد مهدت الحكومة الطريق من خلال قانون الدين العام لتسد هذه الفجوة بالقروض. يأتي ذلك في الوقت الذي تلتزم فيه الحكومة الصمت إزاء العديد من الدفاتر القديمة التي يمكن أن تساهم الأموال المخفية فيها في مواجهة مشكلة العجز في الموازنة.
هناك دفتر الأموال المنهوبة التي هرب بها البعض إلى الخارج. فالفساد المالي الذي يضرب بجذوره داخل بعض المؤسسات والنهب الممنهج للمال العام، أضاع على الدولة مليارات الدنانير. لماذا لا تضع الحكومة خطة وتشكل لجنة قضائية ومالية تعمل على مطاردة سارقي مال المواطن لاستعادتها مرة أخرى، واستخدامها في سد العجز في الموازنة. هناك أيضاً بعض القياديين السابقين وربما الحاليين تضخمت ثرواتهم بشكل غير طبيعي.. ومن واجب الحكومة أن تحقق معهم وتسألهم: من أين لك هذا؟. هناك أموال منهوبة ما زالت في الداخل وهي في متناول يد الحكومة وتستطيع الحصول عليها بالطرق القانونية والدستورية.
العديد من المشروعات الكبرى التي نفذتها الحكومة كانت مصدراً لتربح البعض. والسر في ذلك غياب الرقابة، كل الجهات الرقابية بالبلاد مطالبة بمراجعة ما تم في هذه المشروعات واستعادة كل فلس تم نهبه، بدلاً من الدخول في «قفص القروض» فتجد الحكومة نفسها مضطرة إلى الاستدانة من البنوك المليار تلو المليار.
الحديث عن لجوء الحكومة إلى الاقتراض سببه تداعيات أزمة كورونا حديث مقلق. وهو يعبر عن مشكلة حقيقية، لأن الحكومة تلقي باللوم على المواطن وسلوكياته التي تتسبب في نشر الفيروس، وتنسى الحكومة الوافدين وأصحاب الإقامات المخالفة والمسؤولين الذين يساعدون «تجار الإقامات» على جلبهم للبلاد، وتتغاضى عن دورهم في نشر الفيروس. كذلك فإن الأحاديث المتداولة عن احتمالية استمرار الفيروس لعدة شهور قادمة تثير قلقاً أكبر لأن معنى ذلك أن الحكومة ستواصل السحب من صندوق الأجيال بدلاً من أن تبحث عن حل موضوعي وواقعي وناجز لمشكلة العجز في الموازنة.. بصراحة: الوضع مقلق للغاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − 14 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق