المقالات

«نحن غير»

يتلقى الإنسان في صغره دين قومه وتقاليدهم وثقافتهم كمُسلمات لا شك فيها، ويُزرع في روعه التوقف عن التفكر في منطق مسلمات قومه.
فإذا ما شب الصغير وكانت روحه أقرب للإنسانية منها للحيوانية بدأ يتساءل عن منطق هذه المسلمات ويتحدى فكره، حتى إذا ما استوى الرجل وبلغ أشده اتخذ موقعه الفكري في مجتمعه سيداً أو مسوداً.
والتساؤل أمر محمود من العقلاء، فقد تساءل الخليل عليه السلام، وخلى نبينا عليه الصلاة والسلام متفكرا في غار حراء. فالأنبياء هم أرقى الخلق سموا في الروح الإنسانية، فما الفرق بين الإنسان والحيوان إلا العقل. والعقل منحة ومنة ربانية قال تعالى «ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً».
الرياضيات منطق صرف، ولذا فكلما تمكن العلم من الرياضيات، ازداد تمكنه من تسخير الكون لخدمته، فطفرة التكنولوجيا اليوم كلها قائمة على الرياضيات التي ما هي إلا عرض منطقي تجريدي لقوانين الكون التي سنها الله سبحانه وتعالى.
وقد صُورت فكرة تربية المجتمعات على التبعية الفكرية الجماعية للمجتمع بالرهيب والترغيب في مشهد تمثيلي، يصور فصلاً دراسياً يكتب الأستاذ فيه 3 + 1 = 5، ثم يأمر الطلبة بالترديد والحفظ والقبول. فاعترض الطلبة فرغبهم ورهبهم فأذعن الجميع على امتعاض، إلا طالب واحد.
فنادى الأستاذ طلبة من الصفوف العليا قد مُنحوا امتيازات خاصة فسحلوا الطالب فقتلوه أمام زملائه، ثم واصل الأستاذ تدريسه 3 + 5 = 1، 2 + 2 = 7 والطلبة يرددون وراءه بقبول تام دون امتعاض.
يستنكر العقل 2 + 2 = 7 لأنه منطق خاطئ صور بصيغة رياضية، ولا يقبل بأن يُقال إن هذا رأي يجب أن يحترم، بينما يرى ويمارس كل يوم عدة مرات نفس المنطق الخاطئ، اللهم أنه في صورة حرفية كلامية.
وأكثر ما يُقبل ويمارس هذا المنطق الخاطئ إذا ما عُرض ملبسا تحريفاً أو تأويلاً أو تقليداً أو استنفاعاً بلبس لباس المال أو السلطة أو الدين.
ومما زاد الطين بلة حتى أصبح لزجا كالصمغ لا يستطيع السير فيه أحد، أن هذا المشهد التمثيلي التعيس المصور في مدرسة هو واقع بحذافيره في المجتمعات العربية.
ففي هذه التجمعات يُبعد المخالف ويُقرب الموافق، فتتخرج أجيال مُقلِدة مُستَنفِعة مُدجنة مُعطلة الفكر والمنطق، ثم تنقل هذه التعاسة المنطقية إلى مجتمعاتها فتؤثر فيها، فتلحق هذه التعاسة الفكرية والمنطقية في شتى مجالات حياتها، فتلقي بها في مؤخرة الأمم والشعوب.
«نحن غير»، وهم نفسي تعيش فيه المجتمعات الإنسانية لتبرر لنفسها فشلها بسبب خروجها عن قواعد منطق الحياة والكون التي سنها الخالق سبحانه وتعالى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق