المقالات

«الدوغماتية» العربية وأزمة الخطاب

يعاني الوعي العربي من «دوغماتية»، وهي السبب وراء أزمة الفهم والتطبيق، وهذا ظاهر وواضح لكل من يتعامل مع أي جزئية وحيثيات في أي موضوع في الشأن العربي حيث التعصب الرافض للاطلاع على حتى أي فكرة ورأي آخر مخالف، فبينما بوصلة الواقع تشير لجهة معينة بعيدة عن البيانات والمعادلات والتحليلات والاستنتاجات يكون الرفض والتعصب والتطرف والإرهاب، فما يحتاج الوعي العربي أن ينتبه له ويركز عليه، تجده يخلق العداوات وينفعل بالتصريحات وتنشيط الحسابات الوهمية لإعلان الحرب الالكترونية، والتي تزيد من النفور على المستوى العام، ويطلق الأحكام بشكل انفعالي، ما يصعد من التوتر على المستوى السياسي، ما يزيد من المشاكل الاقتصادية بالتأثير والمزيد من التفكيك على المستوى الثقافي والاجتماعي والتشظي السياسي.
لم نجنِ من العالم الافتراضي سوى التدني والسقوط في الهاوية حتى الخطاب العربي يعاني من أزمة عدم مطابقته للواقع ، فهو خطاب «طوباوي»، مجرد أحجار ثقيلة الوزن تحذف بعشوائية وتصطدم مع الواقع لحساب أساطير غير موضوعية ولا يمكن التحقق من حقيقة نسبتها للأمة العربية، علاوة على عدم جدواها في تحقيق الوحدة على المستوى العربي، كما أنها تخلق عدم التوازن في الرؤية على المستوى الداخلي بين العرب أنفسهم، والرؤية تجاه غير العرب.
حتى لو تطرق الوعي العربي للتأويل والتفسير فذلك لن يخلق التوازن المطلوب على مستوى الرؤية الداعمة للعمل السياسي والاستقرار وتحقيق الأمن الإقليمي ورفع مستوى الاقتصاد بتنوع أو المحافظة على المكونات الثقافية في العالم العربي.
الوعي العربي بما يحمل من «دوغماتية» معني ومهتم في دائرة مغلقة لا يخرج منها وهي السياسة ولأسباب عديدة ولا ينفك هذا الوعي «الدوغماتي» عن هذا المجال مع أنه لا ينفع الحياة الاجتماعية ولا الثقافية ويكفي أن التصريح السياسي في العالم العربي يؤثر على الاقتصاد بشكل واضح حتى في غياب الإنتاج الحقيقي الذي يحتاجه المستهلك سواء على المستوى المحلي أو الدولي، فالإنتاج الحقيقي موجود خارج العالم العربي، والعرب ليسوا إلا قوى مستهلكة على عكس غيرهم ممن يسعى للإنتاج والعمل من أجل الثراء والرفاهية لشعوبهم.
بسبب الخلل في الوعي العربي وأزمة الخطاب في هذا العالم الذي لا يراعي التنوع والتعدد والاختلافات الموجودة على أرض الواقع صار الصدام والفوضى والنزاع هو العنوان المشترك في جميع الأقطار العربية بتنوع مساراتها واتجاهاتها سواء مع المكونات الثقافية داخل العالم العربي أو في التعامل مع الآخر خارج العالم العربي سمة تميز هذا الخطاب ووصمة تميز العقل العربي الأجوف عن غيره من العقول في العالم.
فبينما العقل الغربي عقل نقد ومراجعة وتجاوز، والعقل الصيني عقل يتكيف مع الواقع، والعقل الإيراني عقل يميل للمرونة والتلون، فإن العقل العربي لا يعرف حتى يومنا هذا غير الصدام، والعناد، وتأويل الواقع بما لا يتحمل ولا يطاق.
فحتى يعرف العقل العربي «الدوغماتي» حدوده ويراجع نفسه وينتقد نقاط الضعف فيه ويرتقي بمستوى الإدراك والانتباه لنقاط القوة فيه بما يتلاءم والواقع الذي يعيش فيه ويواجهه، ويستفيد من المشاريع الفكرية والعلمية ويرتقي إلى مرحلة متقدمة من النضوج في الوعي والخطاب، فحتى ذلك الوقت الذي أرجو أن لا يكون بعيداً، سيظل العقل العربي مجرد متابع ومستخدم لا يضيف للحياة سوى كائن طفيلي يتراوح وجوده بين الشر والعدم والأعباء والفوضى والعدوى، ومع جائحة فيروس «كورونا» المستجد سيظل في دائرة ومأزق من الصعب الخروج في أقل الاضرار…!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق