المقالات

وإنما المرء طوع للمقادير

انظر بارك الله بك إلى شطر هذا البيت وتأمله تجده حكمة، فالمرء طوع للمقادير، وهذه سنة الحياة. والمقادير جمع القدر، والمعنى القضاء الذي يقضي به الله تعالی على عباده، فهل يستطيع المرء دفع قضاء الله وقدره؟ لا شك أنه لا يستطيع ذلك، فدعونا نری بيت الشعر كاملاً:
ليس المقادير طوعاً لامرئ أبداً
وإنما المرء طوع للمقادير
والحق أن بيت الشعر حكمة وإن دل على شيء إنما يدل على إيمان صاحبه وورعه، فنحن نعلم أن الإيمان بالقدر خيره وشره هو الركن السادس من أركان الإيمان ولا يتم الإيمان إلا به، فالله سبحانه وتعالى يقول: «وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين» «التكوير – 29». أما بيت الشعر فيقوله الوزیر ظهير الدين أبو شجاع محمد بن الحسین بن عبدالله بن إبراهيم من أهل روذراور وموالده بقلعة كنكور سنة سبع وثلاثين وأربعمئة وكان وزیراً للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله تسلم الوزارة بعد عزل عميد الملك بن جهير سنة ست وسبعين وأربعمئة وعزل من الوزارة سنة أربع وثمانين وأربعمئة، فقال لما عزل:
تولاها وليس له عدو
وفارقها وليس له صديق
وكان عادلاً في وزارته منصفاً للرعية فخرج الى الجمعة بعد عزله فانهالت الناس تسلم عليه وتصافحه وتدعو له بالخير فألزم بيته ووضع في الإقامة الجبرية ثم أخرج إلى وطنه روذراور فأقام بها مدة ثم خرج الى الحج في موسم سنة سبع وثمانين وأربعمئة، فخرجت العرب على الحجاج بالقرب من الربذة
فلم يسلم من الحجيج غيره، ثم توجه الى مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام وظل بها حتى وفاته سنة ثمانٍ وثمانين وأربعمئة، ودفن في البقيع، عند القبة التي بها قبر إبراهيم ابن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. قال العماد الأصبهاني في كتابه خريدة القصر وجريدة العصر: كان عصر الوزير ظهير الدين أحسن العصور وأيامه أنضر الأيام ولم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدين وقانون الشريعة مثله، صعباً شديداً في أمور الشرع وسهلا في أمور الدنيا، لا تأخذه في الله لومة لائم، كما ذكره ابن الهمذاني في كتابه الذيل فقال: كانت أيامه أوفى الأيام سعادة وأعظمها بركة على الرعية، وأعمها أمنا وأشملها رخصاً وأكملها صحة لم يغادرها بؤس ولم تشبها مخافة وقام بأمر الخلافة خير قيام كما كان أحسن الناس خطا وله شعر حسن، ومن ذلك قوله:
ليس المقادير طوعاً لامرئ أبداً
وإنما المرء طوع للمقادير
فلا تكن إن أتت باليسر ذا أشر
ولا يؤوسا إذا جاءت بتعسیر
فما اجتهاد الفتى يوماً بنافعه
وإنما هو إبلاء المعاذیر
أما الخليفة المقتفي لأمر الله فهو الواحد والثلاثين في سلسلة الخلفاء العباسيين، واسمه محمد بن المستظهر بالله احمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالله، يتصل نسبه بمحمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب، تولى الخلافة سنة ثلاثين وخمسمئة الى سنة خمس وخمسين وخمسمئة، وتاريخ مولده سنة تسع وثمانين وأربعمئة، ذكره ابن اليمعاني فقال : كان محمود السيرة مشكور الدولة يرجع الى دين وعقل وفضل ورأي وسياسة، جدد معالم الخلافة ومهد رسوم الإمامة وباشر الأمور بنفسه وغزا غير مرة وامتدت أيامه. اكتفي بهذا القدر، دمتم سالمين في أمان الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق