المقالات

دولة فاشلة!

أنا اقصد العراق بالطبع. لكن فقط اذا استمر الوضع الحالي على ما هو عليه واذا استمر الحراك الداخلي الحكومي والاهلي، السياسي والاجتماعي، السني والشيعي والعربي والكردي، ضعيفا وشبه منهار امام الاجندة الخارجية أيا كانت وبغض النظر عن مسماها، اذ إن العراق الآن ومنذ 2003 مازال اسير اجندات اميركية، اسرائيلية، تركية، ايرانية، وخليجية مقابل رغبة، نعم ليست اكثر من رغبة، عربية مضادة تحاول انتشال هذا القطر العربي من كبوته ومساعدته على استعادة عافيته الوطنية ونشاطه الاقتصادي ودوره ومكانته الاقليمية. فبعد 17 عاما من التغيير الذي احدثته الولايات المتحدة بغزوها العسكري لبغداد وكل العراق، سجل واقع الحال العراقي فشلا لا يغتفر، لا للمحتل ولا لمن اتى بهم الى الحكم. سقوطا الى حد العظم في اختبار اصلاح الاخطاء ورسم السياسات وتجاوز الماضي والاستفادة من التجارب. حتى ألد خصوم صدام حسين من العراقيين او من كانوا يزعمون انهم كذلك ، يترحمون عليه اليوم جهرة. ما من شك في ان الوضع العراقي السابق قبل 2003 كان يدعو الى التغيير وإلى معالجة المشاكل والى دفع فواتير الحماقات. لم يكن العراق في وضع نموذجي يحق التأسف عليه الآن! إلا أن العراق كان دولة قوية محكومة بنظام قوي نجح في التصدي للمشروع الاميركي والصهيوني والايراني والتركي الى حد ما. وفضلا عن ذمه لأميركا واسرائيل وإيران وحبل المشنقة يلتف على رقبته، فإن المخابرات الاميركية والموساد الاسرائيلي اعترفا صراحة بأن صدام حسين من الخصوم او الاعداء النادرين لاسرائيل والمعادين للسياسة الاميركية في المنطقة. إلا أنه الآن وبعد 17 عاما من التغيير الذي جرى في العراق وبغض النظر عن الطريقة التي تم بها، واقع حال العراق يؤكد حقيقتين الاولى الفشل القاطع في احداث تغيير يقود الى الجانب الايجابي في حياة الانسان العراقي والأخرى هي ان الولايات المتحدة العقبة التي تحول دون استفاقة العراق من غفوته ونهوضه من كبوته واستعادته لعافيته. لذلك ليس مستغربا ان يتزايد اعداء العراق اليوم عما كانوا عليه ايام صدام. ليس فقط دول الجوار العراقي التي كانت تختلف معه والتي لاتزال هي هي باستثناء الكويت التي تناست جراحها ووقفت مع العراقيين لمساعدتهم على الخروج من مأزق الوضع الحالي القاتل الذي قد يشجع على تقسيم العراق وربما يدفع بمصير مماثل لبعض دول الجوار او دول المنطقة، وإنما أيضا بنقمة اعداد كبيرة من العراقيين انفسهم المؤمنين بأن نظام المحاصصة الطائفية الذي فرضه الحاكم المدني الاميركي بول بريمور وهو احد أسوأ الشخصيات السياسية تأثيرا في تاريخ العراق، مدعاة للانقسام والتفكيك. وسبق ان اشرت الى ان العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز وكان وليا للعهد في مطلع التسعينات قائماً بأعمال الملك فهد في ظل الظروف الصحية التي مر بها الملك فهد بن عبد العزيز في سنوات عمره الاخيرة، سألني عما يمكن ان يؤول اليه الوضع في العراق في مرحلة ما بعد صدام حسين؟ وكان جوابي واضحا في ضوء قراءتي لأوضاع المنطقة ان الشرق الاوسط برمته سيمر بمنعطف غير مسبوق مر من خلاله بكل الاحتمالات ليس تأثرا باختلال الوضع في العراق وسقوط قوته ودوره في المنطقة من حسابات التوتر السياسي والعسكري والاقتصادي، وإنما لأن من أعدوا سيناريو الشرق الاوسط الجديد وأعدوا لطوفان الفوضى سيسعون الى فرض دور قيادي اسرائيلي على المنطقة يجعل من الكيان الغاصب والمستوطنين اصحاب قرار ونفوذ وشركاء فيما تبقى من الثروة النفطية ومن ارصدة الصناديق السيادية . كنت اتابع في لندن من خلال علاقات واسعة وفرها لي ظهوري التلفزيوني اليومي في قناة «ann»، هذه المؤتمرات التي اعدت لها ورتبتها المخابرات الاميركية واستقدمت المشاركين فيها وهي تدور في مجملها حول تغيير الحكم في ثلاث دول عربية، بما يتوافق وينسجم مع مفهوم الشرق الاوسط الجديد الذي بشرت به وزيرة الخارجية الاميركية آنذاك كوندوليزا رايس. لم اشارك في اي من هذه المؤتمرات لكني التقيت بعض الاطراف الفاعلة التي اقترحت علي استضافتها في برنامجي اليومي «الحوار المفتوح» إلا اني لم احبذ اطلاقا الترويج لبرامج تخريب تحت مظلة التغيير والانقاذ والتطوير والانفتاح، يومها طرح العاهل السعودي سؤالا آخر: هل هناك خوف على وحدة المملكة؟ اجبته: في ضوء ما اعرف ان السعودية على رأس الدول الثلاث المستهدفة وأن المؤتمرات التي انعقدت سبقتها اجتماعات ولقاءات تمهيدية. العراق دولة فاشلة اليوم بكل أسف وعلى جميع المستويات: ادارة امور الدولة، رسم السياسات، الحفاظ على سيادة الدولة ومواردها وانتماء مواطنيها لها، العدالة، المساواة، صناعة الوظائف، تأمين العيش الكريم، تقليل الفوضى، القضاء على الامية، محاربة الجهل والخرافات. لكني على يقين ان هذه مجرد مرحلة عابرة وان قدر العراق افضل من ذلك وأن المستقبل القريب سيشهد تغيرا مذهلا على المستويات كافة. في عام 1986 التقيت مصادفة في فندق شيراتون البنجاب في باكستان، رجل الدين العالمي المسلم احمد ديدات ومعه الملاكم الاسطورة محمد علي كلاي وألغيت حوارا دينيا مع ديدات ولم يكن بإمكان كلاي يومها الحديث بشكل جيد بسبب الباركنسون ديزيز، الا ان ديدات كان غاضبا مشمئزا من الحرب العراقية الايرانية التي قال انها اضاعت فرصة الامة في ان تسابق الزمن بالعلم والصناعة. وفي التسعينات التقيت مصادفة في لندن خلال حفل تكريمي لدعاة حقوق الانسان في العالم، الرئيس الافريقي الاسطورة نيلسون مانديلا، الذي لخص حوارا طلبت ان اجريه موضوع غلاف لمجلة «المشاهد السياسي» مؤكدا انه فخور بقدره. ديدات قال لي: انتم لا تعرفون قيمة قدركم. فأنتم تبخسون قدر الدين بصراعكم الطائفي. وهو مرض العراق الآن الا انه حالة طارئة ليس إلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 + 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق