المقالات

جاءت معذبتي في غيهب الغسق كأنها الكوكب الدري في الأفق

دأب العشاق على اللقاء ليلا، فالليل ستر العاشقين، حيث لا ضياء إلا ضياء القمر، فجاءته من عذبته في هواها في غيهب الغسق، وهو وقت اشتداد الظلام،وبقدر ادلهام الليل وظلامه أضاءت غرتها كالنجم المضيء، تأملوا كيف اتى بالشيء وضده ، أتى بالظلام الدامس والكوكب الدري وهو الساطع المتلألئ، وقد فرح بمجيئها اشد الفرح ورحب بها أشد ترحيب مع خوفه الشديد عليها من مخاطرتها بنفسها في هذا الوقت المتأخر وقال لها:
فقلت شرفتني ياخير زائرة
أما خشيت من الحراس بالطرق
سؤال محب مشفق، خائف على محبوبته من عسس الليل، فبماذا أجابته هذه الفتاة؟:
فجاوبتني ودمع العين يسبقها
من يركب البحر لا يخشى من الغرق
إجابة مقنعة فمن يحب أن يجازف من اجل حبيبه، ويضحي بنفسه ويجعل الغالي رخيصا، ومن أراد دخول البحر والحب مثل البحر لايفكر في الغرق، لقاء رائع ومحاورة أروع صاغها الوزير والأديب المصقع لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله، وهو: محمد بن عبدالله بن سعيد بن عبدالله بن سعيد بن أحمد السلماني الخطيب ذو الوزارتين المولود في لوشه ببلاد الأندلس عام 713، وهو علامة الأندلس بلا مدافع، جمع بين الشعر والفقه والكتابة والطب والسياسة، والحق انه قلما تجد هذه الصفات في رجل واحد، وهو صاحب الموشح البديع الذي سار ذكره في كل مكان والذي يقول فيه:
جادك الغيث اذا الغيث همي
يازمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلا حلما
في الكرى أو خلسة المختلس
نشأ لسان الدين بن الخطيب في غرناطة وبها تعلم وترقى في المناصب حتى اصبح وزيرا للغني بالله محمد بن ابو الحجاج يوسف، الا أن الحساد أوقعوا بين ابن الخطيب والغني بالله واتهموه بالزندقة والإلحاد ثم تم سجنه ظلما وعدوانا كما ان الوزير سليمان بن داود ارسل له من خنقه في سجنه ودفن، ثم اخرجت جثته من القبر وتم إحراقها ولا حول ولا قوة الا بالله، كان ذلك في شهر ربيع الأول سنة 776 هذا ودمتم سالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − 17 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق