المقالات

حرباء العقول والضمائر

تعتبر الحرباء من الزواحف وتتميز بتغيير لونها حسب البيئة المحيطة، كما تتميز أيضاً بهجومها المباغت على فرائسها والعدوانية فيما بينها، ولها القدرة على النظر في اتجاهين مختلفين بنفس الوقت، ويستطيع دماغها تحليل صور كل عين على حدة ويجرنا ذلك إلى تشبيه بعض البشر وبالذات في زماننا الحاضر وأوجه التقارب والتشابه الكبير مع هذا المخلوق في بعض الصفات، ففي الوقت الذي نحزن فيه ونتألم لمصائب أو عوائق حلت بأخوة لنا ونظهر الألم والأسى ونشاركهم الحزن تجدنا خلال لحظات نفرح ونستبشر ونتشفى ونشمت بمصيبة وقعت أيضاً على إخوة لنا في مكان آخر، لكن الاختلاف في الموققين أن الفئة الأولى تشاركنا الآراء والأفكار والأهداف، والمصالح والتوجهات، والأخرى فهي بعيدة ومضادة لأفكارنا ومصالحنا وأهدافنا، هنا نتألم لمصابهم وآلامهم وهناك نفرح ونطرب وهنا حب وهناك بغض وهنا إنصاف وتأثر ودفاع مستميت وإن كان للباطل ومخالف للعقل والضمير وهناك بغي وفجور لنفس

الضمير والعقل! تتلون ضمائرنا وعقولنا كما الحرباء وبسرعة مذهلة ويتم برمجة العقول والضمائر وتحويلها من الخير إلى الشر ومن الوفاء إلى الغدر والعكس صحيح، وكل ذلك مبني على أنانية الضمائر والنفوس ومصالحها الضيقة الدنيئة، عقول وجدت في الرؤوس وضمائر في الوجدان لفعل المعروف وإنكار المنكر وغرس الحب ونبذ البغض ولحفظ الوفاء وهجران الغدر وهذه فطرتها السليمة التي خلقها الباري، عز وجل، فأبت إلا الميل لهوى النفس المستبدة المتعالية وركنت واستسلمت لهوى شيطانها ، ونرى في وصايا لقمان الحكيم لابنه في هذه الدنيا من الرشد والفلاح وصلاح الحال لعلها تكون لنا نورا نستضيء به فيقول «يا بني ان الدنيا بحر عميق قد هلك فيها عالم كثير فاجعل سفينتك فيها الإيمان وشراعها التوكل وزادك تقوى الله فإن نجوت فبرحمة الله وإن هلكت فبذنوبك، يابني إن تأدبت صغيراً انتفعت به كبيراً، يا بني لو استخرج قلب المؤمن فشق لوجد فيه نوران، نور للخوف ونور للرجاء لو وزنا ما رجح أحدهما على الآخر مثقال ذرة ، يا بني لا تركن إلى الدنيا ولا تشغل قلبك بها، فما خلق الله خلقا أهون عليه منها، ألا ترى أنه لم يجعل نعيمها ثوابا للمطيعين ولم يجعل بلاؤها عقوبة للعاصين».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 − 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق