المقالات

وما هذه الأيام إلا منازل .. فمن منزل رحب الى منزل ضنك

الأيام دول, فمرة لك ومرة عليك، وخير عباد الله تعالى من إذا أنعم الله عليه شكر ومن إذا حرم صبر، فمشيئة المولی, جل وعلا, هي الغالبة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له»  «رواه مسلم».  والصبر خير حلية للمسلم, وماخلق الله عسرا إلا وأتبعه يسرا، والعجب من بعض الناس إذا أصابه الضر دعا ربه أن يزيل ضره وإذا أزال الله ضره نسي حق الله عليه, وهذا ماذكره الله تعالى لنا حيث يقول:  «وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا  عنه  ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون»
« يونس – 12» .

وبيت الشعر يدور حول هذا المعنى، فالأيام ما هي إلا منازل يرتفع فيها ناس وينزل بها آخرون، فموسع عليه ومقتر عليه, وليس بيد الإنسان إلا الصبر والدعاء، وبيت الشعر يقوله البحتري، أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد بن شملال الطائي الشاعر العباسي المشهور، ولد في مدينة منبج في سورية ونشأ بها ثم خرج منها إلى العراق ومدح الخلفاء العباسيين بدءاً بجعفر المتوكل على الله ومن بعده ومدح كثيراً من الأكابر والرؤساء وأقام ببغداد مدة طويلة ثم عاد الى الشام، وله أشعار كثيرة في الشام وحلب وكان شاعر وقته بلا مدافع، وروى الصولي ان البحتري قال : ان أول أمري في الشعر أنني صرت الى أبي تمام وهو بحمص فعرضت عليه شعري وكان معي مجموعة من الشعراء فأقبل علي وتركهم، فلما تفرقوا قال لي : أنت أشعر من أنشدني، فكيف حالك؟ فشكوت خلة فكتب إلى أهل معرة النعمان وشهد لي بالحذق وشفع لي اليهم وقال لي: امتدحهم، فصرت إليهم فأكرموني بكتابه ووظفوا لي أربعة آلاف درهم فكانت أول مال أصبته «انتهی», والبحتري تلميذ أبوتمام وهو القائل:

وما هذه الأيام إلا منازل

فمن منزل رحب الى منزل ضنك

وقد هذبتك النائبات وإنما

صفا الذهب الأبريز قبلك بالسبك

أما في رسول الله يوسف أسوة

لمثلك محبوسا على الظلم والإفك

أقام جميل الصبر في السجن برهة

فآل به الصبر الجميل إلى الملك

وكان قد بدأ الأبيات بقوله :

جعلت فداك الدهر ليس بمنفك

من الحادث المشكو والنازل المشكي

وما أنت بالمهزوز جأشا على الأذى

ولا متفري الجلدتين على الدعك

وكان يقال لشعر البحتري سلاسل الذهب وهو في الطبقة العليا، وشعره سائر وله كتاب الحماسة ألفه للفتح بن خاقان وزير المتوكل على الله وكانت ولادته سنة خمس ومئتين, وتوفي سنة خمس وقيل ست وثمانين ومئتين في مسقط رأسه منبج، في خلافة أحمد المعتضد بالله بن طلحة الناصر لدين الله.

أكتفي بهذا القدر ودمتم سالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق