المقالات

بينا يرى الإنسان فيها مخبرا .. فإذا به خبرا من الأخبار

صدق هذا الشاعر وبر، فبينما المرء يخبر عمن سبقه إذ به يصبح خبرا يخبر عنه، وهذه مشيئة الله تعالی يولد بشر ويموت بشر، فسبحان الحي الذي لا يموت، ومادمنا نعرف أننا سنكون خبرا من الأخبار فلنعد العدة لهذا اليوم الذي لا مفر منه، ولنقدم لأنفسنا قبل الرحيل، أما بيت الشعر فهو ضمن قصيدة قالها ابو الحسن التهامي علي بن محمد الشاعر المشهور في وقته، لما توفي ابنه وهي من قصائد الرثاء، وقد ذكره ابن بسام في كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة وقال في حقه: مشتهر الإحسان ذرب اللسان، مخل بينه وبين دروب البيان، يدل شعره على فوز القدح دلالة برد النسيم على الصبح، ويعرب عن مكانه من العلوم إعراب الدمع على سر الهوى المكتوم، وله ديوان شعر صغیر

نخب، وهو القائل:

حكم المنية في البرية جار

ما هذه الدنيا بدار قرار

بينا يرى الإنسان فيها مخبرا

حتى يرى خبرا من الأخبار

طبعت على كدر وأنت تريدها

صفوا من الأقذار والأكدار

ومكلف الأيام ضد طباعها

متطلب في الماء جذوة نار

وإذا رجوت المستحيل فإنما

تبني الرجاء على شفير هار

فالعيش نوم والمنية يقظة

والمرء بينهما خيال سار

فاقضوا مآربكم عجالا إنما

أعماركم سفرا من الأسفار

وتراكضوا خيل الشباب وبادروا

أن تسترد فأنهن عوار

وفي ابنه يقول:

جاورت أعدائي وجاور ربه

شتان بين جواره وجواري

وتلهب الأحشاء شیب مفرقي

هذا الشعاع شواظ تلك الدار

وله البيت السائر الذي يقول فيه:

وإذا جفاك الدهر وهو ابو الوری

طرا فلا تعتب على أبنائه

وكان التهامي قد وصل الى مصر مستخفيا ومعه كتب كثيرة من الأمير حسان بن مفرج بن دغفل البدوي ليستولي عليها، فقبض عليه وسجن ثم قتل في سجنه، اما مولده ونشأته ففي اليمن وأصله من أهل مكة شرفها الله، وكان يكتم نسبه ثم سكن الشام مدة وتوجه الى العراق ومدح الوزير الصاحب بن عباد ثم آل به المطاف أن اتصل بالوزير المغربي، فكان من أعوانه وثار معه على الحاكم الفاطمي الحاكم بأمر الله منصور ابن نزار وملك أزمة أعمالها واستولى على أموالها ثم غدر به بعض أصحابه فقبض عليه وكان آخر العهد به، ومن عجيب أمر هذا الشاعر أن حسان الطائي أقطعه حماة لقصيدة قالها في مدحه، وكان مقتله سنة ست عشرة وأربعمئة، أما الحاكم العبيدي الفاطمي الذي ذكرته آنفا فهو السادس في سلسلة خلفاء الدولة الفاطمية، ترجم له ابن خلكان في وفياته ترجمة وافية فذكر أنه كان جوادا بالمال سفاكا للدماء قتل عددا كثيرا من رجال دولته الكبار، وقال ان سيرته من أعجب السير ومنها أنه كان يحب الانفراد فخرج ذات ليلة سنة احدى عشر الى ظاهر مصر ولم يعد والظاهر أنه اغتيل في مسیره  هذا فلم يشك بقتله وذكر أن أخته دبرت قتله لأمر يطول شرحه، وهو الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن عبيد الله المهدي ويتصل نسبه بإسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وكانت خلافته منذ سنة 386 إلى سنة 411 للهجرة وفي هذا القدر كفاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق