الأولى

التعليق المختصر على مشروع قانون التماس اعادة النظر

  • كان من الأفضل إدراجه تحت مظلة القانون رقم (40) لسنة 1970 المتعلق بالطعن بالتمييز باعتبار أن كلاهما يعد طريقا غير عادي للطعن لا ضمه مع طرق الطعن  العادية .
  • غير محدد بمدة وليس له مدة سقوط، جائز استخدامه من قبل المتهم او اقاربه أوورثته.
  • مكرس الاستخدام للمتهم وليس لسلطة الاتهام ، إلا بحالات محددة بالقانون نفسه .
  • باب إصلاح للأخطاء القانونية المتعلقة بالواقع .. لا القانون .
  • من طبائع الإنسان أن يغتفر لرجل الإدارة ما قد يقع فيه من خطأ مهما كان جسيماً ما لا يغتفره لرجل القضاء مهما كان يسيراً.

عميد كلية الحقوق

ومدير جامعة الكويت بالانابة

أستاذ دكتور فايز الظفيري

المطلب الأول

التماس إعادة النظر

الماهية …والأهمية

صوت مجلس الامة الكويتي منذ أيام قليلة على مشروع قانون يتضمن تعديلا على قانون الاجرءات الجزائية رقم (17) لسنة 1960 ويتعلق بطريقة من طرق الطعن غير العادية وهو التماس اعادة النظر الذي يتم تبنيه ولاول مرة في نطاق المواد الجزائية ومن ثم يضاف الى طريق آخر من طرق الطعن وهو الطعن بالتمييز الذي صدر تحت رقم (40) لسنة 1970 وهو من أهم الطرق غير العادية للطعن في الاحكام الجزائية .

ونصت المادة الاولى منه ( يستبدل بعنوان الفصل الثاني من الباب الرابع من القانون رقم (17) لسنة 1960 المشار اليه العنوان التالي: ” المعارضة والاستئناف والتماس إعادة النظر).

ومن ثم نلاحظ أن مشروع القانون قد ضمه للطرق العادية للطعن على الرغم من كونه أحد أشهر الطرق غير العادية وكان حريا به وضع الأمور في نصابها الصحيح وضمه جانب الطعن بالتمييز .

ولا شك أن النظرة العامة لقواعد قانون الإجراءات الجزائية تبين لنا أهمية الانتباه والاهتمام ، بتلك القواعد الشكلية المنظمة لحق التقاضي ، إذ إن تلك القواعد مرتبطة مع العديد من القيم البالغة الأهمية بالنسبة للمجتمع وأفراده ، إذ إنها تمثل جوهر ما يؤمن به أي مجتمع بمفهوم القضية العادلة ، وهي طريق وحيد ، تتلمس فيه العدالة خروج حكم قضائي ، له العديد من الآثار الجسيمة والكبيرة على حياة الأفراد ، وأي خطأ قد يشوب الحكم قد يصعب إصلاحه أو الرجوع عنه ، ومن ثم – ونظرا لاحتمال وقوع الأخطاء التي قد يكون مصدرها أجهزة العدالة المناط بها التحري أو تقديم التقارير الفنية اللازمة  وهي بصدد بحثها عن الحقيقة – كان من الأهمية ترك الباب مفتوحا وبشكل يمتاز بالسهولة والوضوح لتصحيح أي خطأ قانوني قد يعتري الحكم القضائي ، إذ لا بد أن نتفق على أن هذا الحكم لا يمكن أن نصفه بقداسة مانعة من إعادة النظر فيه ، خاصة إذا ما علمنا أهمية قواعد قانون الإجراءات في تجسيد مفهوم العدالة وارتباطها بمبدأ سيادة القانون .

وقد يتساءل البعض : عن أهمية تبني التماس إعادة النظر ؟  تساؤل لاشك يحظى بأهمية بالغة لا بد من الإجابة عليها ، وبداية نقول : أننا نعلم أهمية الاستقرار القانوني الذي لا بد أن تتصف به الأحكام القضائية ، وأن من صالح العدالة والمجتمع أن تبقى تلك الأحكام دون أدنى ما يهز الثقة العامة التي تولدت بها منذ أن أصبحت باتة لا تقبل التغيير ، إذ إنها حازت على قوة الشيء المحكوم به ، ونحن لا نجادل في ذلك بل نؤكده وندعمه ، إلا أن من مصلحة العدالة أيضا ، أن لا يشوب تلك الأحكام شائبة تنقص من قدسيتها القانونية ، فلا بد أن تتصف بالعدل المتحقق المتيقن منه،  في ظل الظروف التي صدرت بها ، فإن ثبت خلاف ذلك ، فإن من مجافاة العدالة أن تغض الأبصار عن ذلك ، بل لا بد من الشجاعة ، لرفع المظلمة ، خاصة إذا تحققت شروط رفعها التي يتطلبها عادة المشرع الجزائي ،  في حالة تبنيه التماس إعادة النظر ، فلماذا لا نقوم ، سعيا لتحقيق العدالة ، بإعادة النظر في هذا الحكم القضائي الذي خرج باسم الأمة ، وهو حامل لجهالة موضوعية متصلة بالوقائع ، قد يكون ظلم فيه بريء لا علاقة له بالجريمة.

نعلم حقيقة أن الأمر ، قد يبدو ظاهريا ، متضمنا نوعا من الصعوبة ، لاختلاف الاعتبارات التي لا بد من تحققها ، فمن جهة ، لا بد من استقرار قانوني تتصف به الأحكام ، نظرا لاتصالها بمراكز قانونية واجبة الثبات والاحترام ، ومن جهة أخرى ، لابد أن نسعى إلى تحقيق العدالة من خلال تلك الأحكام القضائية وحتى لا تهتز الثقة بالشعور الاجتماعي بالعدالة ، إلا أن التوفيق ليس بالأمر الصعب بين هذين المبدأين الذي يسعى كل مشرع قانوني إلى تحققهما معا.

وقد جعل الشارع هذا المساس في أضيق نطاق ، فحصره في حالات محددة ، ويمكن القول بأن الشارع قد جعل أساس خطته احترام قوة الحكم البات ، تغليباً للاستقرار القانوني ، واحتراما لقرينة الحقيقة ، التي تمثلها هذه الأحكام ،  ولكنه تقبل المساس بها في حالات محددة ، قدر فيها أن اعتبارات العدالة ، والمصلحة الاجتماعية في إصلاح الأخطاء القضائية مرجح على اعتبارات الاستقرار القانوني ، ونرى أن قرينة الحقيقة الملازمة لقوة الحكم البات ، تتراجع أمام الحقيقة نفسها التي كشف عنها خطأ قضائي يتعين إصلاحه ، بتعبير آخر ، فإن الحقيقة الشكلية تتراجع في هذه الحالات أمام الحقيقة الموضوعية التي سمح الشارع بالكشف عنها .

ولم أجد  بلاغة وبيان من الخطر الذي يترتب على الاخطاء التي قد تصدر من القاضي الجنائي ابلغ مما ذكره العلامة رؤوف عبيد في هذا الصدد وهو يتناول المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية فأترك القارئ الكريم مع هذا العبر حيث يقول (ليست  الإجراءات الجنائية  مجرد قواعد شكلية ،  تنظم الدعوى الجزائية ، وترسم لها خط سيرها ، ثم ينتهي دورها بنهايتها ، كلا ، بل إن للتشريع الإجرائي رسالة أخطر من ذلك بكثير ،  إذ إنه أوثق الشرائع صلة بمبدأ سيادة القانون ، وبالتالي باستقرار المواطنين في حياة كريمة راقية ، إذا ما أرادوا لأنفسهم هذا الأسلوب من الحياة ، كما أنه أوثقها صلة بحسن سير العدالة الجنائية ، وبالتالي بانتظام الحياة القضائية للبلاد ، فالتشريع الإجرائي يمثل في جملته أصولاً كلية للتنظيم القضائي ، ينبغي أن يتجاوب مع القيم الخلقية الصحيحة ، فضلاً عن أوضاع المجتمع الذي ينبغي أن يضعها لنفسه ، قبل أن توضع له ، وأن يحدد اتجاهاتها ، قبل أن توجه إليه أوامرها ونواهيها ، وتفرض عليه ألفاظها ومعانيها ، وبالنظر إلى خطورة النتائج المترتبة على وثيق الصلة التي تربط بين التشريع الإجرائي وبين سيادة القانون من جانب وتحقيق العدالة من جانب آخر . وليتصور القارئ حكماً جانب التوفيق فألقي ببريء واحد إلى غيابة القبر أو السجن ظلماً ، إنه يفعل في نفوس الجماهير من زعزعة ثقتها في قضائها ما لم يفعله أشد أعداء العدالة إن كان في مقدورها أن يكون لها أعداء ظاهرون …… ثم إن النفوس سرعان ما تنفعل لهذا الخطأ – مهما خلا من سوء النية – فيغلي مرجل الغضب فيها حين قد لا يحركها الخطأ الجسيم في مجموعة كاملة من قرارات إدارية جانبها الصالح العام أو صحة تطبيق القانون الإداري ، وذلك لأن الإحساس بلزوم العدل القضائي قبس سماوي أودعته العناية الإلهية ضمير الإنسان ، فيما يثور إذا أخطأ تقدير القاضي ويسكن إذا أصاب ، ولا يقبل بين الخطأ والصواب مهادنة ولا أوساط حلول ، ولهذا كان الإحساس بلزوم حق الدفاع راسخاً في الشعور ، عميقاً لفرط لزومه لتحقيق هذا العدل ، وكان من أوليات فن القضاء التي يؤمن بها القاضي الحكيم قبل غيره من الناس أن تبرئة مذنبين كثيرين بغير حق ولمجرد الشك اليسير في ثبوت الاتهام ، أفضل كثيراً من إدانة بريء واحد ظلماً بسبب شطط في التقدير أو تسرع في التقرير بثبوت الإدانة ذلك لأن تبرئة مذنب لعدم ثبوت ذنبه تتضمن معنى واحداً ينبغي على أية حال ألا يكون هو معنى إمكان إفلات أحد الجناة من سطوة القانون الوضعي وحده ، لا إفلاته من عدالة القدر التي لن يفلت منها إنسان مهما طال الأمد . أما إدانة إنساناً بحكم خاطئ رغم براءته ، فهي تتضمن جملة معان من الظلم والظلام تسيء كلها إلى قدسية العدالة ، فهي تتضمن – إلى جانب إفلات الجاني الحقيقي من سطوة القانون الوضعي – معنى آخر أشد نكراً ، وهو أن إنسان بريئا دفع ثمن جريمة غيره ، بالإضافة إلى ثمن خطأ القضاء ، ثم يضاف إلى ذلك أخطر المعاني كلها وهي أن موازين الحق قد اختلت ، فأضحت موازين بطلان ، وأن مصادر النور قد خبت فأضحت مصادر بهتان ، وليس بعد ذلك من خطر يتهدد كل بريء في المجتمع بسوء المآل . ولهذا كان من طبائع الإنسان أن يغتفر لرجل الإدارة ما قد يقع فيه من خطأ مهما كان جسيماً ما لا يغتفره لرجل القضاء مهما كان يسيراً ، لأنه يعلم أن التصرف الإداري يتم في سرعة تقتضيها طبيعة الحياة الإدارية ولأنه عرضة في أية لحظة للعدول عنه وللتعديل فيه ، أما عمل القضاء فهو خلاصة بحث متأن وميزان دقيق لوجهات النظر المختلفة في الدعوى ، ومن هنا جاءت قدسية الأحكام وقوة تأثيرها في النفوس باعتبارها عنواناً عند الكافة على الحقيقة المطلقة بحكم مشاعر طبيعية راسخة ،  مثل أن تكون بحكم قرائن قانونية قاطعة . ولهذا أيضاً كان أي خلل في التشريع الإجرائي أخطر على مصير العدالة من الخلل في التشريع القضائي ، رغم أن الأول يحكم على شكل الدعوى والثاني يحكم على موضوعها ، لأن عيب هذا الأخير يمكن أن يتداركه القاضي الحكيم بحكمته أما خلل التشريع الإجرائي فقد يلقي بمقاليد القضاء إلى من قد تعوذه حكمة القاضي واستقلال ضميره …… وإذا لم يكن القاضي مستقلاً وحكيماً فأي عدل يرجى تحقيقه من التشريع القضائي مهما كان محكماً وقوياً . فميزان العدل هو في النهاية في يد القاضي الذي يختاره التشريع أكثر مما هو في يد التشريع الذي يطبقه القاضي ، لذا كان من الأفضل للمجتمع أن يكون القاضي حكيماً مع ضعف التشريع من أن يكون التشريع حكيماً مع ضعف القاضي ، وأفضل من الأمرين معاً حكمة القاضي وعدالة التشريع معاً )

لذا فإننا نرى من الأهمية التطرق إلى هذا الموضوع ، الذي يحظى هذه الأيام باهتمام من قبل المشرع الكويتي، من حيث إمكانية تطبيقه ، ضمن منظومة الطرق التي يجوز اللجوء إليها ، في سبيل إعادة النظر في الدعوى .

أولا

تعريف التماس إعادة النظر وتحديد ماهيته

يعد طريق التماس إعادة النظر من الطرق غير العادية ، لفتح الباب ومراجعة حكم قضائي ، حاز على حجية الأمر المقضي ، وأصبح من اللزام الاعتراف به ، والتسليم بما قضى به ، إلا أنه لا يعد بهذا المفهوم العام طريقا وحيدا ، بل أن هناك من المؤسسات القانونية المقررة ، ما قد يتشابه بهذا المعنى معه ، سواء من حيث الطبيعة ، أم قد يكون هذا التشابه من حيث الأثر الذي قد يرتبه .

فكان من الضروري تحديد ماهيته ، بشكل يزيل عنه كل لبس ، ويجعله منفردا بخصائص تحدد بنيانه القانوني بكل وضوح ، وعلى وجه الخصوص تلك الطرق القانونية المقررة للطعن بالأحكام الجزائية ، سواء ما كان يعد منها من طرق الطعن العادية كالمعارضة ، والاستئناف ، أم من الطرق غير العادية كطريق الطعن بالتمييز.

كذلك ، فإن التماس إعادة النظر في الأحكام الجزائية لا يتصور عقلا و لا قانونا أن يكون باب مفتوحا على مصراعيه ، دون قيد أو شرط ، بل كان من الضروري أيضا أن تتحقق فيه الشروط اللازمة حتى يمكن لصاحب المصلحة – وهو المحكوم عليه – أن يتقدم ويسلكه ، لأن المشرع عادة ما يقوم بتنظيم استعمال القواعد القانونية المتضمنة لنوع من الإجراءات القانونية ، المرتبة بعض الآثار ، خاصة في مجال الطعن بالأحكام القضائية ، إذ إن من شأن تلك الطرق – بشكل عام – أنها قد تؤدي إلى النظر في حكم قضائي مرة أخرى ، مع الأخذ بعين الاعتبار ماهية تلك الطرق ، والاختلاف القائم فيما بينها من حيث تلك الآثار .

ثانيا

تعريف التماس إعادة النظر

التماس إعادة النظر – كما هو مسلم به فقها وقضاء – طريق طعن غير عادي ، يقرره القانون في حالات حددها على سبيل الحصر ، ضد أحكام الإدانة الباتة في الجنايات والجنح ، لإصلاح خطأ قضائي تعلق بتقدير وقائع الدعوى .

1 –  التماس إعادة النظر طريق غير عادي للطعن

حدد التعريف السابق خصائص طلب التماس إعادة النظر كطريق للطعن في الأحكام الجنائية ، فهو طريق طعن غير عادي ، لا يجوز الالتجاء إليه ، إلا إذا شاب الحكم خطأ من حيث الوقائع ، أما إذا تعلق الخطأ بتطبيق القانون ، فطريق الطعن الذي يجوز الالتجاء إليه هو الطعن بالتمييز .

والقول بأن التماس إعادة النظر طريق غير عادي ، من شأنه أن يميزه عن طرق الطعن العادية ، كالطعن بالمعارضة والطعن بالاستئناف ، إذ إن طرق الطعن العادية هي تلك الطرق التي تقبل من المحكوم عليه في الميعاد القانوني بلا قيد أو شرط ، ويترتب عليهما إعادة طرح الموضوع مرة أخرى ، سواء أمام نفس المحكمة التي أصدرته ، كما عليه الوضع في التشريع الكويتي عند استخدام الطعن بالمعارضة ، أم أمام محكمة أعلى درجة، كالحال عند استخدام الطعن بالاستئناف.

أما الطرق غير العادية للطعن فلا بد أن تتحقق شروط يتطلبها القانون من أجل إجازة الطعن ، فلا يجوز الطعن بالتمييز إلا بناء على حالات محددة ، كما هو مقرر من خلال المادة الأولى من القانون رقم (40) لسنة 1972 بشأن الطعن بالتمييز وإجراءاته ، حيث نصت على أنه ( للخصوم أن يطعنوا بالتمييز في الأحكام الصادرة من محكمة الاستئناف العليا في الأحوال التالية : أ – إذا كان الحكم المطعون فيه مبنيا على مخالفة للقانون أو خطأ في تطبيقه أو تأويله . ب – إذا وقع بطلان في الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم).

وكذلك هو الحال في التماس إعادة النظر الذي لا يجوز اللجوء إليه إلا في حالات محددة كما هو مقرر من خلال نص المادة ( 213 مكرر) من مشروع قانون التماس اعادة النظر  التي نصت على أنه (يجوز طلب إعادة النظر في الأحكام الباتة  الصادرة بالعقوبة في مواد  الجنايات والجنح في الأحوال الآتية :

1 )  إذا حكم على المتهم في جريمة قتل ، ثم وجد المدعى قتله حياً .

2 )  إذا صدر حكم على شخص من أجل واقعة ثم صدر حكم على شخص آخر من أجل ذات الواقعة ، وكان بين الحكمين تناقض يستنتج منه براءة أحد المحكوم عليهما .

3 )  إذا حكم على أحد الشهود أو الخبراء بالعقوبة المقررة لشهادة الزور في الباب الثالث من قانون الجزاء أو إذا حكم بتزوير قدمت أثناء نظر الدعوى وكان للشهادة أو تقرير الخبير أو الورقة تأثير في الحكم .

4 )  إذا كان الحكم مبنياً على حكم صادر من محكمة مدنية أو من إحدى محاكم الأحوال الشخصية وألغي هذا الحكم . 

5 )  إذا حدثت أو ظهرت بعد الحكم وقائع أو إذا قدمت أوراق لم تكن معلومة وقت المحاكمة ، وكان من شأن هذه الوقائع أو الأوراق ثبوت براءة المحكوم عليه )

2 – التماس إعادة النظر محددة حالات استعماله

 لا يجوز الالتجاء إلى طلب التماس إعادة النظر ، إلا إذا كان الخطأ الواقع داخلاً في إحدى حالات نص عليها الشارع على سبيل الحصر .ويقتصر نطاق إعادة النظر على أحكام في الإدانة ، أما أحكام البراءة فلا يجوز الطعن فيها ، بطلب إعادة النظر أيا كان الخطأ الواقعي فكان لنا ممن ثم القول أنه من غير المقرر للسلطة العامة ممارسة الطعن بالتماس اعادة النظر على الاحكام الجنائية التي صدرت بالبراء واصبحت باتة، فهو على خلاف الطعن بالتمييز المسموح لها وللمتهم ممارسته، فهو قد قرر لصالح المتهم ، حتى في الاحوال الاستثنائية التي وردت (231 مكرر 1) قد انيط استخدامه للسلطة العامة  لمصلحة المتهم نظرا لكون غير قادر على ممارسته لعلة أو سبب قد لحق به كأن يكون مفقودا أو  عديم اهلية أو قد توفي .

ومن المنطقي أن يحدد نطاق التماس إعادة النظر ، فلا يكون طريقا مطلقا دون أي قيد أو شرط ، إذ إن العدالة أيضا تقتضي أن يوازن المشرع الجزائي بين ضرورة احترام الأحكام الباتة الحائزة لقوة الشيء المحكوم فيه ، والشعور العام بالعدالة الذي يحتم ضرورة إيجاد باب لإصلاح الأخطاء الموضوعية المتعلقة بالوقائع التي يقع بها القضاء .

وينحصر نطاق التماس إعادة النظر – في التشريعات التي تأخذ به -بأحكام الإدانة في الجنايات والجنح ، فلا مجال له إزاء الأحكام الصادرة في المخالفات ، ولا مجال له بطبيعة الحال ضد الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية ولو صدرت عن القضاء الجنائي .

3 – ينحصر التماس إعادة النظر في الأحكام الصادرة بالعقوبة

طريق الطعن بالتماس إعادة النظر ينحصر فقط في أحكام الإدانة الصادرة ضد الأفراد ، فلا يجوز استخدامه ضد المحكوم عليه من قبل ممثل المجتمع – النيابة العامة أو الادعاء العام – في أحكام البراءة ، إذ أن من مصلحة المجتمع والعدالة أن يبرأ مظلوم خير من إدانة متهم ، لذا فإننا نجد أن التشريعات التي تأخذ بالتماس إعادة النظر تجعل حق ممارسة الطعن بالتماس إعادة النظر بيد المحكوم عليه ، إذا كان هناك حكم يقضي بإدانته ، فلا يجوز الطعن بالتماس إعادة النظر في الأحكام القاضية ببراءته .

والإدانة تعني هنا أن يقضي الحكم بعقوبة معينة على المحكوم عليه أيا كان نوعها : إعدام ، حبس ، غرامة مالية ، امتناع عن النطق في العقوبة ، مع وقف التنفيذ ….الخ من أنواع العقوبات الجزائية التي لا يهم نوعها .

وبالمقابل ، لا يجوز الطعن بالتماس إعادة النظر في قرارات سلطات التحقيق ، فهي لا تعد أحكاما فاصلة في موضوع الدعوى ، ولا في الأحكام التمهيدية أو التحضيرية أو الأولية ، إذ لا يعد أي منها قاطعا في موضوع الدعوى بالبراءة ، أو الإدانة ، ولكنها قد تفصل في مسائل تعترض بمناسبة الفصل في موضوع الدعوى .

ثالثا

الفرق بين التماس إعادة النظر وطرق الطعن الأخرى

يجمع بين التماس إعادة النظر وطرق الطعن الأخرى ، بعض أوجه التشابه والاختلاف ، كطريق الطعن بالتمييز أو الاستئناف أو المعارضة ، إلا أن من الأهمية أن نشير إلى أن هناك فوارق جوهرية ، بين هذه الطرق المقررة للطعن ، مما يميز بينها ، بشكل يضمن نطاق واستقلالية كل طريقة من هذه الطرق.

1 – التماس إعادة النظر والطعن بالمعارضة

يختلف التماس إعادة النظر بداية عن الطعن بالمعارضة ، إذ إن الأخير يعد طريقا عاديا للطعن بالأحكام الغيابية ، لأنها صدرت بهذه الصفة ، من أجل تمكين الخصوم من إبداء دفاعهم ، نظرا لتغيبهم عن جلسات المحاكمة ، إلا أن التماس إعادة النظر طريق طعن غير عادي ، يقرره القانون في حالات حددها على سبيل الحصر ، ضد أحكام الإدانة الباتة في الجنايات والجنح ، لإصلاح خطأ قضائي تعلق بتقدير وقائع الدعوى ، فلا يلجأ إليه إلا بعد الانتهاء من جميع الطرق المقررة قانونا ، بينما يلجأ للمعارضة في كل حكم يصدق عليه وصف الحكم الغيابي الصادر من الدرجة الأولى ، إذ لا تجوز المعارضة حسب التشريع الكويتي إلا في الأحكام الصادرة من محكمة أول درجة نظرا لصريح (210) من قانون الإجراءات الجزائية الكويتي التي تقرر أنه ( الحكم الصادر في الاستئناف لا تجوز المعارضة فيه).

وإذا ما أردنا التمييز بين كل من الطريقين ،  فإننا نجد – بالنظر إلى تعريفهما السابق – فرقا شاسعا بينهما ، إذ أن المعارضة بحسب تعريفها ، لا تكون إلا في الأحكام الغيابية ، وأمام محاكم أول درجة ، وهي في أصلها لا تمارس إلا من قبل المتهم المحكوم عليه ، والمسئول عن الحقوق المدنية ، إذ لا يمكن قانونا ، أن تستخدم من قبل النيابة العامة أو الإدعاء العام ،  لعدم إمكان تصور غيابهما لأن حضورهما جزء من تشكيل المحكمة نفسها ، وإلا اعتبر التشكيل باطلا لمخالفته القانون.

واستخدام المعارضة وفقا للوضع في التشريع الكويتي لا يعني إعادة المحاكمة وانعدام الحكم الغيابي ، إذ إن للمحكمة التي تنظر المعارضة – وهي نفس المحكمة التي أصدرته – أن تعتبر المعارضة كأن لم تكن ، كما في حال غياب المعارض عن الجلسة الأولى ، فيظل للحكم الغيابي قوته القانونية ، ولا يكون للمعارض الغائب سوى استئناف الحكم الصادر باعتبار المعارضة كأن لم تكن ، أما إذا كان حاضرا للجلسة الأولى ، فإن للمحكمة أن تؤيده ، على النحو الذي قررته المادة ( 195 ) من قانون الإجراءات الجزائية التي نصت على أن ( تقضي المحكمة بتأييد الحكم الغيابي اذا وجدت أن المعارضة لا أساس لها ، وأن الحكم صحيح شكلا وموضوعا )، أو ترى المحكمة إلغاءه ، على النحو الذي قرره نص المادة (196 ) التي نصت على أن ( للمحكمة أن تقضي بإلغاء الحكم الغيابي إذا وجدت به عيبا شكليا لا يمكن تصحيحه ، أو وجدت أنه مخالف للقانون ، سواء كان المعارض قد تمسك بهذه العيوب أو أن المحكمة قد لاحظتها من تلقاء نفسها ) أو تعدله على نحو ما جاء بنص المادة (197) التي نصت على أنه ( لا يجوز أن تكون المعارضة ضارة بالمعارض ، فيجوز إلغاء الحكم الغيابي والحكم بالبراءة ، كما يجوز تعديل الحكم الغيابي وتخفيض العقوبة الواردة فيه ، ولكن لا يجوز تشديد هذه العقوبة).

2 – التماس إعادة النظر والطعن بالاستئناف

و يختلف التماس إعادة النظر عن الطعن بالاستئناف في أغلب ما يخضعان له من قواعد، فإعادة النظر تفترض خطأ واقعياً شاب الحكم ، في حين يجوز الطعن بالاستئناف لخطأ واقعي أو قانوني يشوب الحكم ،  إذ أن الاستئناف يعرف بأنه طريق عادي للطعن ، يطلب أحد الخصوم بمقتضاه إصلاح خطأ يزعمه ، في الوقائع أو القانون.

ويختلفان في أن الطعن بالتماس إعادة النظر يفترض وجود واقعة جديدة وجدت بعد وجود الحكم المطعون فيه ، أو كشف وجودها بعد صدور هذا الحكم ، أي كانت مجهولة على القضاة الذين أصدروا الحكم ، أما الطعن بالاستئناف فيجوز أن يستند إلى واقعة كانت معروضة على هؤلاء القضاة ، وقالوا فيها رأيهم وكلمتهم ، ولكن المستأنف يعيد عرضها على قضاة الاستئناف ، لأنه لا يشاطر قضاة الدرجة الأولى تقييمهم لها . ويختلف الطريقان أيضا من حيث إن إعادة النظر تفترض حكماً باتاً، في حين يفترض الاستئناف حكماً ابتدائيا ، كما يختلفان أخيرا في انحصار الطعن بالاستئناف في ميعاد حدده القانون ، دون التماس إعادة النظر الذي لا يتصف بمدة محددة للطعن فيه.

3 – التماس إعادة النظر والطعن بالتمييز

أما من حيث أوجه الشبه أو التفرقة بين التماس إعادة النظر وطريق الطعن بالتمييز – أو كما تسميه الكثير من التشريعات الطعن بالنقض – فهو أن كلا منهما طريق غير عادى للطعن في الأحكام ، وهو بهذا يشابه التماس إعادة النظر ، كما يجمع بينهما كذلك في بعض التشريعات التي تبنته اختصاص محكمة النقض بالنظر فيهما كمبدأ عام ، إلا أن هناك فوارق بين كل من الطريقين على ما سوف نرى لاحقا في آلية الاختصاص القضائي .

فالطعن بالتمييز أو النقض يعد طريقا غير عاديا للطعن في الأحكام الجزائية ، يطلب بمقتضاه أحد الخصوم – ولأسباب محددة قانونا – إلغاء الحكم المطعون فيه لمخالفته القانون ، بينما نجد أن التماس إعادة النظر إنما هو إعادة للمحاكمة ، بعد صدور حكم جنائي بات ، لأسباب أيضا محددة قانونا ، ولكن نظرا لخطأ في الواقع . فالطعن بالنقض يرد على الأحكام النهائية ، بينما يرد التماس إعادة النظر على الأحكام الباتة ، والطعن بالنقض عادة ما يكون لمخالفة الحكم قاعدة قانونية ، سواء كانت إجرائية أم موضوعية ، بينما في التماس إعادة النظر يكون الطعن بسبب خطأ في الواقع .

والطعن بالتمييز يكون في أحكام الإدانة أو البراءة في الجنايات والجنح في التشريع الكويتي خاصة بعد صدور قانون (73) لسنة 2003، بينما لا يكون الطعن بالتماس إعادة النظر إلا في أحكام الإدانة فقط ، ولكن يجوز في الجنايات والجنح على حد السواء . وللتمييز ميعاده الذي يتعين استعماله من خلاله في حين لم يحصر الشارع إعادة النظر في ميعاد معين .

المطلب الثاني

أهمية تبني نظام التماس إعادة النظر

في نطاق الأحكام الجزائية

لا يعد التماس إعادة النظر غريبا على التشريع الكويتي ، إذ إن المشرع المدني قد تبنى نظام التماس إعادة النظر في نطاق الأحكام المدنية ، وذلك من خلال نص المادة (148) من قانون المرافعات المدنية ، نظرا لأهمية تبني مثل هذا الطريق غير العادي للطعن ، بجوار ما هو مقرر للطعن بالتمييز في نطاق الأحكام المدنية ، والفقه يرجع إلى هذا الإقرار المزدوج إنما يقوم على أساس من تحقيق للعدالة ، وإتاحة للفرصة للمحكوم عليه أن يتمسك بوجود خطأ في الإرادة القضائية عن طريق التماس إعادة النظر، إذ إن هذا الطريق لا يلجأ إليه إلا بعد الانتهاء من سلوك طريق الطعن العادية وطرق الطعن غير العادية .

إلا أننا حقيقة نتساءل عن مدى أهمية  تبني مثل هذا النظام في نطاق الأحكام الجزائية ، وإذا كنا من المؤيدين – من قبل ومن بعد –  لهذا الاتجاه فعلى أي أساس من الأهمية نعزز اتجاهنا ؟ بإضافة هذا الطريق إلى طريق آخر مقرر للطعن بالأحكام الجزائية ، وهو طريق الطعن بالتمييز

هناك العديد من الآراء الفقهية التي قيلت في سبيل التأكيد على أهمية تبني نظام التماس إعادة النظر ، باعتباره طريقا غير عادي للطعن من شأنه أن يؤكد على مبدأ العدالة الواقعية التي تسعى الأحكام الجزائية لإصابتها ، وسوف نتناول بالبحث والإشارة أهم تلك الآراء .

أولا

أهمية التماس إعادة النظر في ضوء معطيات

العمل القضائي

لا شك أن الناظر إلى الحياة بشكل عام يرى البون الشاسع الذي قد فصل بينها وبين الحياة في سنوات قليلة مضت ، فالعمل اليوم لم يعد كالعمل بالأمس ، فالتضخم والتوسع والتشعب أصبحت من مواصفات عمل اليوم، والاعمل القانوني دائما ذو صلة بمدنية المجنمع ، والتوسع في أعماله، فكان امرا مقضيا أن نرى زيادة ضخمة في القضايا في كل تخصص ، ومنها القضايا الجزائية، حيث تضخم الاجرام بزيادة أعداد المجتمع وتنوع طوائفة وقدوم الهجر من امم مختلفة يستقبلها المجمتمع نظرا لحاجته للعمالة والبنيان والاقتصاد .. الخ من اسباب المدنية .

ولا شك أن غدا سيتصف وقته بأمور عدة قد لا نعلمها في الوقت الحالي ، ومن ضمن تلك المتغيرات التي نلحظها الآن – وقد نتلمس آثارها في بعض لحظات الهدوء – أن العلم والتقدم والمدنية والاكتشافات الجبارة والمتداخلة ، تتجدد كل يوم ، إلى درجة أننا لا نستدرك التطورات الهائلة من شدة سرعتها ، مما رتب العديد من الآثار على جميع أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، ولا شك أن الحياة القانونية هي الأخرى بدأت تتغير ، فلم تعد الحياة القانونية للأمس ،  فتشابك أمور الحياة بدأ يغير معالم القواعد القانونية ، إذ إنه يدفع بالمشرعين القانونيين ، يوما بيوم ، إلى تطوير واستحداث القواعد القانونية لمعالجة آثار التقدم والمدنية والاكتشافات التي يعلن عنها كل يوم .

ونحن – المنشغلين بالحقل الجزائي بحكم الاختصاص – لا شك أننا على عاتقنا أن نسارع أيضا في طرح حلول وأسس معالجة لاستقبال هذا التقدم المدني والحضاري ، الذي لا شك أن له الكثير من التبعات على الحياة القضائية على وجه العموم ، وعلى أحكام القضاء على وجه الخصوص ، فهذا الكم الهائل من التقدم ، رافقه أيضا كم هائل من زيادة عدد السكان ، ونمو المجتمعات على جميع الأصعدة ، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية كذلك ، ولم تعد الدول قاصرة وجودها على مواطنيها ، بل تستقبل العديد من المقيمين ، مما أدى إلى تزاحم الحياة في المجتمع الواحد ، وتشابك العلاقات الاجتماعية وتنوعها ، فنمت الخلافات القانونية بينهم ، وازدحمت أروقة القضاء.

ثانيا

إمكانية تحقق الأخطاء القضائية

ولا شك أن القاضي الجزائي اليوم أصبح لديه قدر هائل من المسئولية ، فكيف يوفق بين هذا التقدم والتسارع فيه وتشعبه ، وبين الحالة النفسية التي لا بد أن تتوافر لديه حتى يتمكن من دراسة الدعوى الجزائية والتمعن فيها ، لكي يتمكن من الفصل فيها بشكل يتلمس فيه سبل العدالة الواقعية ؟ من المؤكد أنه عبء ثقيل ، فمن ثم كان لا بد أن نيسر السبل اللازمة لإصابة ذلك الهدف ، نظرا لإمكانية تحقق الأخطاء القضائية نتيجة التقدم العلمي الكبير وتزاحم الحياة القضائية بكثرة القضايا التي تعرض على القضاة للفصل بها.

فالقول بإمكانية تحقق الخطأ القضائي هو قول لا يخلو من الحقيقة ، فالقاضي بشر يزل ويخطئ ، إذ إن حكمه لا يعدو أن يكون اجتهادا قائما على فهمه الشخصي ، وإن سار على جادة الحكمة والنزاهة وكانت وجهته قبلة العدالة والإنصاف ، وهذه الحقيقة تجد من الدعم القانوني عدة حجج ، فمنها تبني نظام الطعن بالاستئناف والتمييز ، إذ إن في تبني كلاهما يقوم جانب الأخطاء القانونية من قبل القضاء ، فمن أجل تقليل تلك النسبة ، يجوز استئناف الأحكام أو الطعن بتمييزه ، ومن يرد تلمس تلك الحقيقة الواقعية التي لا تقبل الجدل في وجودها وإن تفاوتت نسبتها ، فلينظر إلى ما يعدل أو يلغى من تلك الأحكام سواء من قبل محكمة الاستئناف أم محكمة التمييز.

كما أن الأمر، قد لا يتصل بخطأ قاضي بعمله، ,إنما قد يتصل هذا الخطأ بالاجهزة المساندة للقضاء ، التي قد تسمى فقها بإجهزة العدالة كرجال المباحث الذين يسند لم التحري وجمع الاستدلالات أو خبير أوكل له الامر بفحص مستند ولم يتحقق من تزويره، أو طب شرعي أخطأ بنسبة عينة أو بقعة دماء ونسبها – على خلاف الحقيقة – للمتهم ، فالاخطاء في الوقائع وارد تحققها ، لذا كان من المقبول عقلا وإنصافا أن يكون هناك باب مفتوح دون تحديد مدة لاغلاقه، يستطيع المتهم من خلاله رفع الظلم ودرئه عن نفسه متى من كشف عن واقعة ذات صلة لاثبات برائته.

وإذا ما نظرنا إلى التشريع الفرنسي فإننا نجد أن تحقق تلك الأخطاء القضائية ، كان من أهم العوامل التي دعت بالمشرع الفرنسي إلى تبني نظام الطعن بالتماس إعادة النظر منذ ما يزيد على المائة عام،  إذ إن أول قانون صدر لتبني إعادة النظر هو قانون 8 يونيو 1895 ، وهناك قضايا شهيرة يذكرها الفقه وجد أن أحكام الإدانة فيها صدرت بسبب أخطاء قضائية ، وقررت تلك الأخطاء دون مكابرة من قبل قضاء رائد وأصيل ، ويتبع دولة صاحبة ثورة شهيرة ، كانت سبب إلهام للعديد من التشريعات الجزائية في أغلب دول العالم .

إذن ، فنحن نرى حقيقة أن تبني نظام التماس إعادة النظر من شأنه أن يقلل نسبة الخطأ في الواقع الذي قد يلحق بالأحكام الجزائية.

و هذا ما يؤكد عليه الفقه الفرنسي في أسباب تبني التماس إعادة النظر في التشريع الفرنسي ، على الرغم من وجود طرق أخرى للطعن ، سواء كانت عادية أم غير عادية ، فهو على وجه الخصوص مسنود بإمكانية حدوث خطأ في الواقع erreur de fait  .

ثالثا

السعي نحو تحقيق العدالة الفعلية

من المتعارف عليه فقها وقضاء ، أن عمل القاضي الجنائي إنما يهدف إلى تحقيق العدالة ، باعتبارها إحدى المبادئ المهمة والقيمة النفيسة التي تسعى التشريعات القانونية كافة إلى تحقيقها وإن تفاوتت فيما بينها في السبل المؤدية إلى ذلك .

وإذا كان هناك من يؤسس إلى التماس إعادة النظر باعتباره أحد الطرق المؤدية إلى تحقيق العدالة الواقعية ، فإننا نرى أن أهميته مرتبطة بهذا المبدأ أو القيمة ، وهي تحقيق العدالة ، إذ إننا لا نخالف في كون الحكم القضائي عندما يصدر ويصبح باتا ، فإنه يحمل لنا عنوان الحقيقة ، التي يفترض بنا أن نقبلها ونؤمن بها ، فهي حقيقة قانونية تجسد العدالة ، إذ أنها لم تخرج إلى أرض الواقع إلا بعد عمليات نفسية وقانونية ، وصراع قانوني بين أطراف الخصومة ، تم فيها طرح الأدلة ومناقشتها وتمحيصها  ،  وبعد فترة من التفكير والترجيح ، خرجت هذه الحقيقة التي لا بد أن تؤمن الكافة بها وتحترمها ، إلا أن الأمر – مع ذلك – لا يخلو من إمكانية تحقق ما يثبت أنها حقيقة غير واقعية .

إذ قد يظهر للعيان في بعض الأحوال أن تلك الحقيقة القضائية جاءت على خلاف الحقيقة الواقعية ، الأمر الذي يستدعي أن توجد البدائل المناسبة ، والطرق القانونية التي تعدل هذا الانحراف بين تلك الحقائق ، ومن ثم تصبح تلك الحقيقة القضائية هي الحقيقة الواقعية والفعلية التي يجب أن تكون ، إذ إن من شأن ذلك إعلاء القيمة الفعلية لمهمة القضاء وسموه عن الباطل والزلل ، فإن أغلقت الأبواب – كما حاصل في التشريع الجزائي الكويتي – فإن من شأن ذلك أن يؤدي إلى هز الثقة بأحكام القضاء ، إذ لا سبيل إلى تعديلها إلا بسلوك درب العفو الأميري الذي يجب أن يكون مدعوما برغبة من النائب العام ، الأمر الذي قد لا يتحقق ، بل ويؤدي إلى  تقييم للدعاوي العمومية الجزائية بشكل لا يدخل ضمن صلاحيات النائب العام نفسه ، بل هل يجوز في كل مرة يظن وجود هذا الخطأ بالواقع أن نقحم رئيس الدولة بالأمر ؟ ومن الذي يقيم وجود ذلك الخطأ من عدمه ؟ وما هي الحالات التي نستطيع القول فيها – إن تواجدت – إننا أمام حالة من حالات الخطأ بالواقع ؟

حقيقة إن كل ذلك من شأنه أن يظهر أهمية تبني مثل هذا النظام ، إذ بوجوده يتحقق استقرار نفسي يحكم وجدان كل فرد من أفراد المجتمع ، إذ لا مجال للخطأ أو الانحراف بين الحقيقة القانونية والحقيقة الواقعية ، ومن ثم تستقبل تلك الحقيقة بكل إيمان من قبل الأفراد ، وتعزز مكانة القانون ، وتصلب أركان القضاء ، إذ كلاهما ما وجد إلا في سبيل تحقيق العدالة الواقعية .

إلا أن ذلك التطابق المنشود لا يفترض بنا أن نبالغ في تقبل التماس إعادة النظر في كل مناسبة ، وإلا كان من شأن هذا أن يرتب العديد من السلبيات الضارة نفسها في المجتمع ، إذ لا بد في كل أمر من تنظيمه لا قبوله بإطلاق ، حين إن من شأن القبول بهذا الصفة زعزعة الثقة بكل حكم أو مركز قانوني ، فلا يعود لدينا ما نؤمن باستقراره ، بل لا بد من وضع الحالات التي يجوز التماس إعادة النظر فيها بشكل يخدم الهدف من إقراره ويخدم العدالة نفسها ، ولا شك أن المجتمع من خلال القواعد القانونية يقنن ما يراه مهما في خدمة العدالة التي يؤمن بضرورة تحققها .

لا شك أن التشريعات القانونية تتفاوت فيما بينها في مدى إقرار الحالات التي يجوز فيها اللجوء إلى التماس إعادة النظر ، إذ قد يوجد من التشريعات ما يتوسع في قبول حالات التماس إعادة النظر ، وسواء قرر الالتماس لمصلحة المتهم أم لصالح المجتمع ، وهناك من يحصره فقط لصالح المتهم ، وإن كان هذا الاتجاه هو الغالب ، والذي يتماشى مع المنطق القانوني ، إذ يوجد من البدائل القانونية ما يحقق صالح الجماعة ، ومن ثم كان من الأفضل أن يقرر فقط لصالح الفرد ، وتحدد بشكل قواعد قانونية الحالات التي يجوز فيها استخدام ذلك الحق من قبله ، وإن أتت بشكل معايير موجهة يمكن دخول حالات متعددة ضمنها.

المطلب الثالث

نطاق التماس إعادة النظر

 التنظيم لنطاق التماس إعادة النظر أمر تمليه الضرورة والمنطق ، إذ لا يمكن القبول به بشكل مطلق ، وإلا كان من شأن ذلك التأثير على الاستقرار القانوني الواجب لأحكام القضاء ، فتنظم التشريعات الجزائية التي تأخذ بالتماس إعادة النظر كطريق من طرق الطعن غير العادية الحالات التي يجوز من خلالها اللجوء إلى استخدامه أمام القضاء ، ونحن حقيقة بحاجة ماسة إلى بيان تلك الأحوال لبيان نطاقه وكيفية سلوكه ، والآثار التي تترتب على الحكم به.

ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن هناك العديد من التشريعات في القانون المقارن تأخذ بنظام التماس إعادة النظر باعتباره طريقا غير عادي للطعن ، مع وجود تفاوت بين هذه التشريعات في كيفية تبني ذلك النظام ، فمنها من يقرر التماس إعادة النظر لصالح المحكوم عليه ولصالح ممثل المجتمع ، وهو ما يشار إليه بالقول بالتماس إعادة النظر الموسع ، أو كما يسميه الفقه in defavorem aussi bien qu’in favorem  وهذا هو حال تشريعات قليلة ، كالتشريع الألماني ، والسويدي ، والنرويجي وبعض الكانتونات من سويسرا الاتحادية ، وهناك من التشريعات الجزائية ما تأخذ بالتماس إعادة النظر لصالح المتهم فقط ، ولا تسمح بممارسته لممثل المجتمع في حالة الحكم بالبراءة على المتهم ، وهذا هو حال أغلب التشريعات الجزائية في القانون المقارن ، وعلى رأسها التشريع الفرنسي،  والإيطالي، والكندي،  والأسباني ، إلا أنه يوجد أيضا من التشريعات التي لا تأخذ به وتكتفي فقط بالطعن بالتمييز أو العفو الرئاسي ، مثل إنجلترا والمكسيك وبعض الولايات في الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي نطاق التشريعات العربية نجد أن هناك العديد من التشريعات  التي تأخذ بالتماس إعادة النظر باعتباره طريقا غير عادي للطعن ، وعلى رأسها التشريع المصري ، والأردني ، والسوري ،  واللبناني ،  والتشريع الإجرائي أو ما يسمى بنظام الإجراءات السعودي ، والتشريع العماني .

ومن خلال النظر في القواعد العامة التي وردت في هذه القوانين الإجرائية فيما يتعلق بالتماس إعادة النظر ، نجد أنها تكاد تتطابق في تلك القواعد ، لذا ، فإننا سوف نتطرق إليها من أجل بيان نطاق هذا الطريق غير العادي للطعن ، لكي نبين مدى أهمية الأخذ به وكيفية تطبيقه على أرض الواقع .

أولا

الأحكام والحالات التي يجوز الطعن فيها بالتماس إعادة النظر

ليس كل حكم جزائي يجوز الطعن فيه بالتماس إعادة النظر ، بل لا بد أن يكون هذا الحكم متصفا بعدة صفات ، حتى يستطاع اللجوء إلى هذا الطريق غير العادي ، فمن خلال تعريف التماس إعادة النظر ذكرنا أنه طريق غير عادي للطعن في أحوال محددة قانونا في الأحكام الجنائية الباتة في الجنايات والجنح من أجل إصلاح خطأ متعلق بالواقع ، فمن خلال هذا التعريف ، يتبين أن هذا الحكم ، لا بد من أن يتصف بعدة صفات ، فلا بد أن يكون صادرا بعقوبة ، وأن يكون صادرا في جناية أو جنحة ، وأن يكون حكما باتا .

كذلك ، لا بد من العلم ، أن الطعن بشكل عام لا يقرر إلا من أجل خطأ متعلق بالواقع لا القانون ، فهو طريق لتقييم الحكم لا الدعوى ، إذ لا ينظر إلى موضوع الدعوى الجزائية ، ولا يتم طرحه على بساط البحث في جميع طرق الطعن الغير عادة ، هذا وان اتصف التمييز أو الطعن بالنقض ، بأنه لإصلاح الخطأ القانوني الذي شاب الحكم الجزائي ، إلا أن التماس إعادة النظر هو سبيل لإصلاح الخطأ المتعلق بالواقع لا القانون . والأمر الأهم أن ليس كل خطأ في الواقع مثيرا للطعن بالتمييز من قبل المحكوم عليه ، بل لابد أن تصدق عليه حالة من الحالات التي يحددها المشرع ، ضمن نص يذكر تلك الحالات على سبيل الحصر ، كما هو الحال عليه في العديد من التشريعات الجزائية في القانون المقارن .

  • حكم جزائي في جناية أو جنحة

تحدد التشريعات الجزائية عادة ، وفي بداية القواعد التي تحكم نظام التماس إعادة النظر الأحكام الجائز الطعن فيها بهذا الطريق ، فالمشرع المصري – مثلا – قرر من خلال نص المادة (441) من قانون الإجراءات الجنائية أنه ( يجوز طلب إعادة النظر في الأحكام النهائية الصادرة بالعقوبة في مواد الجنايات والجنح ) . وهذا هو الوضع عليه في التشريع الفرنسي الذي قرر من خلال نص المادة (622) من قانون الإجراءات الجزائية أنه ( من الممكن أن يطلب إعادة النظر في حكم جزائي نهائي من قبل – أو لصالح – كل شخص قرر بأنه مذنب بجناية أو جنحة ).

وهذا أيضا ما قرره نظام الإجراءات السعودي ، الذي نص من خلال صدر المادة (206) منه على أنه ( يجوز لأي من الخصوم أن يطلب إعادة النظر في الأحكام النهائية الصادرة بالعقوبة ) كما قرر ذلك المشرع العماني من خلال نص المادة (268) من قانون الإجراءات العماني التي قررت أنه ( يجوز طلب إعادة النظر في الأحكام النهائية الصادرة بالعقوبة في الجنايات والجنح )  وهذا ما أخذ به مشروع القانون الكويتي من خلال نص المادة (213 مكرر) حيث نصت على انه ( يجوز التماس إعادة النظر في الأحكام الباتة الصادة باعقوبة في مواد الجنايات والجنح ).

وعلى هذا ، ومن خلال هذه النصوص المختلفة ، نجد أنه لا بد من أن تتصف تلك الأحكام الجائز الطعن فيها بالتماس إعادة النظر،  بعدة صفات ، فلا بد من أن تكون أحكاما تتضمن عقوبة جزائية ، صادرة في جناية أو جنحة ، وأن تكون أحكاما باتة .

فلا بد للحكم المنشود إعادة النظر فيه من قبل المحكوم عليه أن يكون صادرا ضده في فعل يكيف على أنه جناية ، أو جنحة ، من الناحية الجنائية ، فلا يجوز التماس إعادة النظر في نطاق المخالفات ، وهذا ما تؤكد عليه أغلب التشريعات من خلال النصوص المقرر لالتماس إعادة النظر ، والمرجعية التي يحتكم إليها في معرفة تكييف الفعل هو الوصف الذي ترفع به الدعوى من قبل ممثل المجتمع ، فيعد الفعل جنحة حتى وإن أكدت المحكمة أنه مخالفة ، ومن ثم يجوز التماس إعادة النظر فيه. وإذا تعددت الأوصاف ، فإن الفقه يرى أن العبرة بالوصف الأشد ، والحكمة من ذلك واضحة وجلية ، إذ إن من شأن ذلك المحافظة على صالح المتهم ، حيث إنه لا يخشى سوى الوصف الأشد ، وإذا ارتبطت المخالفة بجناية أو جنحة ارتباطا غير قابل للتجزئة ، فإعادة النظر جائزة بالنسبة للمخالفات ، إذ سيحكم بعقوبة جزائية واحدة للجريمتين المرتبطتين . ولا عبرة بنوع القضاء الذي يصدر عنه الحكم في الجناية أو الجنحة ، فقد يكون قضاء استثنائيا أو قضاء مدنياً في شأن جريمة جلسة ولا أهمية لكون الجناية أو الجنحة التي صدر من أجلها الحكم منصوصاً عليها في قانون الجزاء أو في قانون مكمل له .

(2)أن يكون الحكم الجزائي متضمنا عقوبة

لا يجوز الطعن بالتماس إعادة النظر إلا في الأحكام الجنائية المتضمنة لعقوبة ، أيا كان نوع هذه العقوبة ، والتي يمثل النطق بها على المحكموم عليه وصف الإدانة ، أما الأحكام الصادرة بالبراءة فإنه لا يجوز – في أغلب التشريعات الجزائية – أن يطعن فيها بالتماس إعادة النظر ، حتى ولو انطوى حكم البراءة على خطأ متعلق بالواقع ، كما في حال إدانة شاهد النفي بشهادة زور ، أو كانت الورقة المقدمة في نفي التهمة قد قرر تزويرها بعد صدور الحكم ، واتصف بكونه حكما باتا لا يقبل الطعن بأي وسيلة من وسائل الطعن العادية ، أو غير العادية كالطعن بالتمييز .

ويرى الفقه أن مصطلح عقوبة الوارد في التشريعات الجزائية المقرر لالتماس إعادة النظر يفسر بتفسير واسع ، ويتضمن أيضا التدابير الاحترازية ، إذ يجوز الطعن بالتماس إعادة النظر في الحكم الصادر بتدبير احترازي ، كوضع المجرم المجنون في المحل المخصص للمجرمين المجانين .

أما التدابير الاحترازية المقررة للأحداث ، والتي لا ينطبق عليها وصف العقوبة بالمعنى الدقيق ، فالرأي أنه لايشملها التماس إعادة النظر ، نظرا لوجود نوع من مراجعة الأحكام الصادرة من محكمة الأحداث ،  الذي  يعطي عادة قاضي الأحداث صلاحية مراجعة التدبير الاحترازي بما يناسب مصلحة الحدث ونفعية التدبير الاحترازي ، كما عليه الحال في التشريع الكويتي الذي قرر من خلال نص المادة (22)  من قانون الأحداث رقم (111) لسنة 2015 أنه (
للمحكمة ، بعد إطلاعها على التقارير المقدمة إليها من مراقب السلوك وفقا للمادة (19) أو بناء على طلب نيابة الأحداث أو لجنة رعاية الأحداث أو الحدث نفسه أو من متولي الرعاية أن تأمر بإنهاء التدبير أو بتعديل نظامه أو بإبداله ، مع مراعاة حكم المادة (14) من هذا القانون ، وإذا رفض هذا الطلب فلا يجوز تجديده إلا بعد مضي ثلاثة أشهر على الأقل من تاريخ رفضه ، ويكون الحكم الصادر في هذا الشأن غير قابل للطعن فيه ) إذ إن هذا النص لا يقرر التماس إعادة النظر في مفهومه الدقيق كما بينا سابقا ، وليس مقررا لمصلحة المحكوم عليه .

وفيما عدا ذلك ، فإننا نرى إمكانية اللجوء إلى التماس اعادة النظر في الاحكام  الباتة الصادرة ضد حدث بناء على نص الماد (15) ن القانون رقم (111) لسنة 2015  اذا ما تحققت إحدى الحالات الجائز فيها اللجوء إلى مثل هذا الطعن .

ولا يعتبر تنفيذ العقوبة حائلا دون اللجوء إلى الطعن بالتماس إعادة النظر ، إذ أنه قد يتصور أن يقوم المحكوم عليه بتنفيذ العقوبة ، ويظهر دليل براءته بعد هذا التنفيذ ، ومن ثم جاز له أن يلجأ إلى التماس إعادة النظر من أجل رفع العقوبات التبعية والتكميلية ، التي يرافق عادة تطبيقها النطق ببعض أنواع الأحكام الجزائية ، أضف إلى ذلك ، أن فيه إصلاح الحكم من خطأ الواقع الذي أصابه والإقرار ببراءته، و إعادة الاعتبار الاجتماعي له ، أمام أفراد مجتمعه ، كما أن ذلك يجسد طهارته من الجريمة التي نسبت إليه ، بدليل أن هناك من التشريعات من يجيز للورثة رفع الطعن بالتماس إعادة النظر من أجل تبرئة مورثهم ، مما نسب إليه أثناء حياته ، كالمشرع العماني الذي قرر من خلال نص المادة (269) من قانون الإجراءات الجزائية العماني في الفقرة الثالثة ( يقبل طلب إعادة النظر من :

1 – …..

2 – ……

3 – زوج المحكوم عليه أو ورثته بعد موته أو أقاربه إلى الدرجة الرابعة ) .

وهذا ما سلكه المشرع الكويتي بمشروع قانونه ومن خلال نص المادة (213 مكرر 1) إذ أجاز – ودون تحديد درجة القرابة من المتهم – لاقاربه وزوجه من بعد موته حق التماس اعادة النظر.

ولا أهمية إلى نوع العقوبة المحكوم بها ، سواء كانت غرامة مالية أم عقوبة سالبة للحرية  ، ضئيلة أو جسيمة ، ولكن يشترط أن ينطبق عليها فقط وصف عقوبة .

(3)أن يكون الحكم باتاً

يشترط كذلك في الأحكام الجائز الطعن فيها بالتماس إعادة النظر أن تكون أحكاما جزائية باتة، أي أن الحكم لا يقبل الطعن بطريق عادي أو غير عادي من طرق الطعن ، لا بالمعارضة ولا بالاستئناف ولا بالتمييز ، وهذا الشرط يفترضه المنطق القانوني ، فطريق الطعن بالتماس إعادة النظر لا يلجأ إليه إلا اذا انغلقت باقي الطرق ، فإذا كان الحكم قابلا للطعن فيه بطريق عادي – المعارضة أو الاستئناف – أو بطريق غير عادي – كالتمييز – فإن من الممكن إصلاح ما شابه من خطأ متعلق بالواقع ، ومن ثم كان من الغرابة فتح باب التماس إعادة النظر والحكم قابل للطعن.

وإذا ما نظرنا إلى النصوص التي تطلبت هذا الشرط ، فإننا نجد أنها تستخدم مصطلح النهائي ولا تذكر البات ، وهذا لاشك أنه راجع لسوء صياغة ، إذ لا بد أن يكون الحكم باتا لا نهائيا، وقد أحسن مشروع القانون الكويتي الذي استخدم مصطلح بات من خلال نص المادة (213 مكرر)  . ويترتب على هذا الشرط عدم جواز الطعن بالتماس إعادة النظر في حكم غيابي قابل للطعن بالاستئناف،  وعدم جواز الطعن بالتماس إعادة النظر في حكم نهائي قابل للطعن بالتمييز ، ولا يجوز الطعن بالتماس إعادة النظر في حكم غيابي صادر من محكمة الجنايات طالما أن مدة تقادم العقوبة لم تنقض ، إذ إن الحكم يكون عرضة للزوال بظهور المحكوم عليه أو القبض عليه ، فهو لم يصبح بعد باتاً . هذا فضلاً عن أن المحكوم عليه لديه الوسيلة لإزالة الحكم ، وهي ظهوره ، ومن ثم فهو ليس في حاجة إلي سلوك طريق احتياطي بحق ، الغرض أنه لا يسلكه إلا إذا لم يوجد طريق سواه ولكن إذا أصبح هذا الحكم باتاً بتقادم العقوبة أو وفاة المحكوم عليه ، فإن طلب إعادة النظر يصير جائزاً.

ويكتفي الشارع بتطلب أن يكون الحكم باتاً ، أي حائزا لقوة الشيء المقضي ،وهو يتصف بهذه الصفة بالفرضيات التالية :

الفرضية الاولى : وهي الاشهر والأكثر من حيث الوقوع ، أن يتم الطعن بالتمييز ويحكم به فيصبح باتا.

الفرضية الثانية : أن لايتم الطعن بالتمييز لفوات الميعاد ، فيصبح الحكم النهائي باتا أيضا.

الفرضية الثالثة : وهي متصورة الوقوع على الرغم من ندرتها، صدور حكم ابتدائي ولا يتم الطعن الطعن فيه بالاستئناف لفوات الميعاد ، ومن ثم لا يمكن الطعن كذلك فيه بالتمييز نظرا لعدم جواز الطعن بالاحكام التي لا تصدر من محاكم الاستئناف امام دائرة التمييز في الجنايات  أو هيئة التمييز في الجنح ، ومن ثم يكون هذا الحكم باتا على الرغم من صدوره من محكمة ابتدائية فيجوز الطعن فيه عن طريق التماس اعادة النظر.

ويجوز طلب إعادة النظر في الحكم ولو سقطت العقوبة بالتقادم ، أو تم تنفيذها ، نظرا لأن العقوبة الجزائية الأصلية غالبا ما ترتبط بعقوبات تبعية وتكميلية ، وأيضا من أجل رد الاعتبار للشخص الذي ظهر دليل براءته وإن سبق ونفذ العقوبة ، بل إنه يجوز رفع التماس إعادة النظر حتى ولو توفي المحكوم عليه من قبل أسرته لنفس الأسباب (المادة 213 مكرر 1 من مشروع القانون الكويتي).

ثانيا

حالات الطعن بالتماس إعادة النظر

عددت التشريعات الجزائية الأحوال التي يجوز فيها الطعن بالتماس إعادة النظر ، وهي – كما سبق القول –  تتعلق جميعها بخطأ متصل بالواقع لا القانون ، إذ إن للأخطاء القانونية مسلكها المتاح ، وهي الطرق المقررة للطعن بالأحكام ، العادية منها كالمعارضة والاستئناف ، أو طرق الطعن غير العادية كالتمييز ، ومن ثم كان على المحكوم عليه أن يسلكها أو يسلك إحداها ، طالما أنها كانت متاحة له ، لا أن يفوت فرصته ،  والأمر الذي يحقق مصلحته ،  ومن ثم يلجأ إلى طريق احتياطي ، محدد الأحوال والطبيعة .

وهذه الحالات التي قررتها التشريعات الجزائية مذكورة على سبيل الحصر لا يجوز إضافة حالات أخرى غير مذكورة وان تعلقت بخطأ متصل بالواقع ، مع صعوبة تصور هذا الاحتمال ، وهذه الحالات لا شأن لها بإجراءات نظم الدعوى أو إجراءات نشوء الحكم فيه تقوم ولو كانت هذه الإجراءات صحيحة .

كما أن هذه الحالات محددة على سبيل الحصر ، ولا يجوز الإضافة إليها أو القياس عليها، وعلة النص على هذه الحالات بعينها هي الطابع غير العادي لهذا الطعن ، والحرص على حصر نطاقه ، حتى لا يتحول الطعن بإعادة النظر إلى نوع جديد من الطعن بالاستئناف لو أتسع نطاقه لكل عيب واقعي يشوب الحكم .  وتكاد تكون هذه الأحوال – في جميع التشريعات – متطابقة ،وهي ذات الحالات التي وردت بنص المادة (213 مكرر ) من مشروع القانون الكويتي وإن وجدت بعض الفروق اللغوية البسيطة حيث نصت المادة المذكورة أنه(

1 )  إذا حكم على المتهم في جريمة قتل ، ثم وجد المدعى قتله حياً .

2 )  إذا صدر حكم على شخص من أجل واقعة ثم صدر حكم على شخص آخر من أجل ذات الواقعة ، وكان بين الحكمين تناقض يستنتج منه براءة أحد المحكوم عليهما .

3 )  إذا حكم على أحد الشهود أو الخبراء بالعقوبة المقررة لشهادة الزور في الباب الثالث من قانون الجزاء أو إذا حكم بتزوير قدمت أثناء نظر الدعوى وكان للشهادة أو تقرير الخبير أو الورقة تأثير في الحكم .

4 )  إذا كان الحكم مبنياً على حكم صادر من محكمة مدنية أو من إحدى محاكم الأحوال الشخصية وألغي هذا الحكم . 

5 )  إذا حدثت أو ظهرت بعد الحكم وقائع أو إذا قدمت أوراق لم تكن معلومة وقت المحاكمة ، وكان من شأن هذه الوقائع أو الأوراق ثبوت براءة المحكوم عليه )

وهذا التطابق في النصوص نجده لدى النظر لنص المادة ( 441) من قانون الإجراءات الجزائية المصري فهي ذات الأحوال الواردة في مشروع القانون الكويتي بنص المادة (213 مكرر) وهي : ( 1 – إذا حكم على المتهم في جريمة قتل ثم وجد المدعى قتله حيا .

2 – إذا صدر حكم على شخص من أجل واقعة معينة ثم صدر حكم على شخص آخر من أجل الواقعة عينها ، وكان بين الحكمين تناقض بحيث يستنتج منه براءة أحد المحكوم عليهما .

3 – إذا حكم على أحد الشهود أو الخبراء بالعقوبة لشهادة الزور وفقا لأحكام الباب السادس من الكتاب الثالث من قانون العقوبات ، أو اذا حكم بتزوير ورقة قدمت أثناء الدعوى وكان للشهادة أو تقرير الخبير أو الورقة تأثير في الحكم .

4 – إذا كان الحكم مبنيا على حكم صادر من محكمة مدنية أو إحدى محاكم الأحوال الشخصية وألغي هذا الحكم .

5 – إذا حدثت أو ظهرت بعد الحكم وقائع ، أو اذا قدمت أوراق لم تكن معلومة وقت المحاكمة ، وكان من شأن هذه الوقائع أو الأوراق ثبوت براءة المحكوم عليه )

ونجد أن هذه الحالات الخمس ذكرت على سبيل الحصر ، وتكاد تكون هي نفسها الموجودة  في التشريعات الأخرى التي تبنت التماس إعادة النظر باعتباره طريقا غير عادي للطعن نجد أغلب الحالات الواردة في التشريعات تكاد تكون واحدة ، نذكر منها على سبيل المثال ما قرره المشرع السعودي في نظام الإجراءات الجزائية من خلال المادة السادسة بعد المائتين التي نصت على أنه ( يجوز لأي من الخصوم أن يطلب إعادة النظر في الأحكام النهائية الصادرة بالعقوبة في الأحوال الآتية : 1 –  إذا حكم على المتهم في جريمة قتل ثم وجد المدعى قتله حياً . 2 – إذا صدر حكم على شخص من أجل واقعة ، ثم صدر حكم على شخص آخر من أجل الواقعة ذاتها ، وكان بين الحكمين تناقض يفهم منه عدم إدانة أحد المحكوم عليهما . 3 – إذا كان الحكم قد بني على أوراق ظهر بعد الحكم تزويرها ، أو بني على شهادة ظهرت بعد الحكم أنها شهادة زور . 4 – إذا كان الحكم بني على حكم صادر من إحدى المحاكم ثم ألغي هذا الحكم .5 – إذا ظهر بعد الحكم بينات أو وقائع لم تكن معلومة وقت المحاكمة ، وكان من شأن هذا البيانات أو الوقائع عدم إدانة المحكوم عليه ، أو تخفيف العقوبة . ) أو ما قرره المشرع العماني من خلال المادة (268) التي نصت على أنه (يجوز طلب إعادة النظر في الأحكام النهائية الصادرة بالعقوبة في الجنايات والجنح في الأحوال الآتية : – 1 –  إذا حكم على شخص في جريمة قتل ثم وجد المدعى بقتله حياً . 2 – إذا صدر حكم على شخص من أحل واقعة ثم صدر حكم على شخص آخر من أجل الواقعة عينها وكان بين الحكمين تناقض يستنتج منه براءة أحد المحكوم عليهما . 3 –  إذا حكم على أحد الشهود أو الخبراء بعقوبة شهادة الزور أو حكم بتزوير ورقة قدمت في الدعوى وكان للشهادة أو تقرير الخبير أو الورقة تأثير في الحكم المطلوب إعادة النظر فيه .4 –  إذا كان الحكم مبنياً على حكم صادر من جهة قضائية أخرى وألغي هذا الحكم . 5 –  إذا حدثت أو ظهرت بعد الحكم وقائع أو قدمت أوراق لم تكن معلومة وقت المحاكمة ، وكان من شأن هذه الوقائع أو الأوراق ثبوت براءة المحكوم عليه . )  وما قرره المشرع الأردني من خلال نص المادة  (292 ) التي نصت على أنه (يجوز طلب إعادة المحاكمة في دعاوى الجناية والجنحة أياً كانت المحكمة التي حكمت بها والعقوبة التي قضت بها وذلك في الأحوال التالية:  أ ) إذا حكم على شخص بجريمة القتل وقامت بعد ذلك أدلة كافية تثبت أن المدعى قتله هو حي . ب ) إذا حكم على شخص بجناية أو جنحة وحكم فيما بعد على شخص آخر بالجرم نفسه ، وكان الحكمان لا يمكن التوفيق بينهما ، وينتج عن ذلك ما يؤيد براءة أحد المحكوم عليهما . ج ) إذا حكم على شخص وبعد صدور الحكم قضى بالشهادة الكاذبة على من كان قد شهد عليه بالمحاكمة ، فلا تقبل شهادة هذا الشاهد في المحاكمة الجديدة . د ) إذا وقع أو ظهر بعد الحكم حدث جديد أو أبرزت مستندات كانت مجهولة حين المحاكمة ، وكان من شأن ذلك إثبات براءة المحكوم عليه .)

ويرى الفقه الجنائي بأن هذه الحالات جميعها تتصف بخصائص من حيث كونها  تفترض خطأ واقعيا شاب الحكم  لا خطأ متعلق بالقانون ، فهي تقوم حتى ولو يكن هناك بطلان أو خطأ قد شاب الإجراءات التي تم بها تحريك ، أو رفع الدعوى العمومية أو قواعد المحاكمة ، فهذه الحالات قد تتواجد إحداها دون علاقة بالإجراءات القانونية ، فقد تقوم ولو كانت صحيحة ،  وهي مذكورة على سبيل الحصر لا يجوز الزيادة أو القياس عليها ، أخيرا فان هذه الحالات متصلة ومتعلقة بالحكم لا بالدعوى الموضوعية الجزائية ، فهي إعادة مراجعة للحكم بسبب واقعة جديدة ، لم تكن موجودة أو قائمة ، وقت صدور الحكم ، مما أدى إلى صدور الحكم متضمنا لعيب متصل بالواقع بسبب غياب تلك الواقعة وقت صدور الحكم أو أنها أكتشف بعد صدوره . وحيث الحالات المحددة لالتماس إعادة النظر تكاد تكون نفسها بجميع التشريعات ، إذ أنها خمس حالات ، الأربعة الأولى محددة المضمون أما الخامسة فقد جاءت عامة قابلة للتفسير الموسع ملائم لارادة المشرع ، حيث أن كل ما يؤدي إلى براءة المتهم لا شك انه يفسر تفسيرا موسعا ، إذ الهدف هو عدالة مستقرة على حكم جنائي قوي الدعائم لا مجال للتشكيك فيه .

(1)اذا حكم على متهم في جريمة قتل ثم وجد المدعى قتله حيا

هذه هي الحالة الأولى التي أجاز المشرع أن يلجأ فيها إلى الطعن بالتماس إعادة النظر ، فإذا صدر حكم جنائي بات على شخص بتهمة أنه قتل زيدا ، وبعد أن أصبح الحكم الجزائي باتا غير قابل للطعن بأي وسيلة عادة كالمعارضة أو الاستئناف ، أو وسيلة غير عادية كالتمييز ، كان له حق اللجوء إلى التماس إعادة النظر بعد أن ظهرت هذه الواقعة الجديدة والتي كانت غائبة ، أو اكتشفت بعد صدور الحكم ،والملاحظ أن أغلب التشريعات العربية تستخدم الصياغة نفسها ، والتي نعتقد أنها مأخوذة من المشرع المصري ، بينما نجد أن التشريع الفرنسي ومن خلال المادة (622) من قانون الإجراءات الجزائية استخدم تعبيرا مختلفا ، حيث لم يتطلب ظهور المدعى موته ، بل اكتفى بظهور أوراق من شأنها نشوء أمارات كافية على وجود المدعى قتله حيا ، ولا شك أن الصياغة التي جاءت بها القواعد المنظمة لنفس الحالة في جميع التشريعات العربية تتصف بالتشدد ، وإن كنا نرى أن ذلك التشدد هو تشدد ظاهري غير حقيقي ، فإن كان المشرع الفرنسي يتطلب تقديم أوراقا تعطي أمارات أو دلائل على وجود المدعى قتله  ، فإن النص المصري – ومثله بقية التشريعات العربية – يكتفي أيضا بما يدل على أن المدعى قتله موجود ، سواء كان ذلك عن طريق الأوراق ، أو أية أدلة أخرى ، كشهادة الشهود . ومن ثم فإن تطبيقها من حيث الواقع سهل و مرن ، على النحو الذي قرره التشريع الفرنسي الذي  يقبل الإثبات على وجود المجني المدعى قتله حيا  من خلال أوراق – كإشعار من المطار يثبت سفر المدعى قتله أو رسالة بريدية تثبت تواجده في مكان ما – ومن ثم نرى أن من شأن ذلك عدم يسهل إثبات حياة المدعى قتله. وهذه الحالة يتطلب قيامها تحقق شرطين:

الشرط الأول : صدور حكم بات بإدانة على شخص من أجل جريمة قتل:  لا بد أن يتواجد أمامنا حكم جزائي بات على أحد الأشخاص من أجل جريمة قتل ، فإن كانت الجريمة غير ذلك فإنه لا يتحقق هذا الشرط ومن ثم لا يجوز الطعن بالتماس إعادة النظر على أساس من هذه الحالة ، كأن تكون التهمة الموجهة عاهة مستديمة ، بل لا بد أن تكون التهمة وكما هي محددة بالقتل ، سواء كان عمدا أو عن طريق الخطأ .

كذلك لا بد أن يكون هذا الحكم حكما باتا ، فإن كان غير ذلك كأن يكون قابلا للطعن بوسيلة من وسائل الطعن العادية أو غير العادية فإنه لا يقبل اللجوء إلى التماس إعادة النظر ، حيث إن من شروط اللجوء إليه أن يكون الحكم بات ، فما زال الباب مفتوحا أمام المحكوم عليه من أجل إصلاح الخطأ الذي لحق الحكم ، فإن تبين بعد صدور حكم من محكمة أول درجة أن المدعى قتله حي ،  فإن المجال مفتوح من خلال الاستئناف لإصلاح هذا الخطأ و إلغاء الحكم الصادر من محكمة أول درجة ، فإن تأيد في الاستئناف ، بقي الباب أيضا مفتوحا أمامه لإصلاح الخطأ المتعلق بالواقع أمام محكمة التمييز ، فإن أصبح باتا ، وظهرت الواقعة بعد ذلك ، فلا شك إن التماس إعادة النظر هو مجاله الرحب الذي يمكن من خلاله إصلاح هذا الخطأ إن تحقق الشرط الآخر المتعلق بقيام الحالة .

الشرط الثاني : وجود الشخص المدعى قتله حيا : يجب كذلك – لكي تقوم هذه الحالة ومن ثم يقوم التماس إعادة النظر من الناحية القانونية – أن يقوم دليل على وجود المدعى قتله حيا على قيد الحياة، سواء كان ذلك الدليل أوراقا ،أم  شهادة شهود ، أم رسائل ، أم ظهورا له حقيقيا أمام المحكمة ، ولا بد أن يكون هذا الظهور الفعلي أو ظهور دليل على حياته بعد صدور الحكم الجنائي ، و إلا فإنه لا وجود لجريمة لعدم وجود محلها ، وهو إزهاق روح إنسان حي ، بل يشمل هذا الظهور على قيد الحياة وتتحقق من ثم هذه الحالة وان مات المدعى قتله بعد برهة يسيرة لأي سبب آخر كأن يقتل من قبل شخص آخر أويموت بسبب مرض .

(2)إذا صدر حكم على شخص من أجل واقعة  ثم صدر حكم على شخص آخر من أجل ذات  الواقعة ، وكان بين الحكمين تناقض يستنتج منه براءة أحد المحكوم عليهما .

تفترض هذه الحالة وجود حكمين متناقضين صدرا على شخصين مختلفين ليس بينهما أية علاقة مساهمة جنائية ، وكان كل حكم فيهما ينسب صدور الواقعة أو الفعل الإجرامي لهذا الشخص ، بحيث ثبت وجود تناقض بينهما يستنج معه براءة أحدهما من التهمة المنسوبة إليه والتي صدر بشأنها حكما جنائيا باتا .وهذه الحالة من خلال مضمونها تفترض أن تتواجد عدة أمور ، الأول منها وجود حكمين بالإدانة على شخصين مختلفين ، والثاني أن تكون الواقعة المحكوم بها هي واقعة واحدة في كلا الحكمين ، والأمر الأخير وجود تناقض بين الحكمين يستنتج معه براءة أحد المحكوم عليهما .وسوف نتناول كل منهما بشيء من التفصيل .

الشرط الأول : وجود حكمين باتين بالإدانة على شخصين مختلفين : يتطلب هذا الشرط أن يتواجد حكمان جنائيان يتصف كلاهما بكونهما أصبحا باتين ، أي غير قابلين للطعن بأي وسيلة عادية أو غير عادية ، فإن كان أحدهما لا يصدق عليه هذا الوصف ، فإنه يلجأ إلى وسائل أخرى لتعديل الخطأ المتعلق بالواقع إن قامت بقية الشروط ، كاللجوء إلى الاستئناف أو التمييز من أجل رفع هذا الخطأ المتصل بالواقع .

ومن خلال هذا الشرط ومضمونه ، فإنه لا تتحقق الحالة المشار إليها آنفا إذا صدر حكم الإدانة ضد شخص ثم رفعت الدعوى ضد شخص ثان من أجل الواقعة عينها ، ولكن لم يصدر حكم ضده لوفاته، أو ثبوت تقادم الدعوى ، أو أوقفت إجراءاتها لجنون المتهم ، ولا تتوافر هذه الحالة إذا صدر حكم بالإدانة ضد شخص في الوقت الذي اعترف شخص ثان بالواقعة عينها ، ولكن لم يصدر ضده حكم بالإدانة. كما يتعين صدور حكمين، ومن ثم لا تتوافر هذه الحالة إذا صدر حكم بالإدانة ضد شخص من أجل واقعة ثم اتخذت إجراءات التحقيق أو المحاكمة من أجل الواقعة عينها ضد شخص ثان ، ولكن لم يصدر ضده بعد حكم بالإدانة ولا عبرة بكون هذه الإجراءات تنطلق من أساس يناقض حكم الإدانة . ولا تتوافر هذه الحالة إذا صدر حكم واحد انطوى على تناقض سواء تناقض أجزاء منطوقه ، أو تناقض منطوقه مع أسبابه ،  أو تناقضت أسبابه فيما بينها، و يعد هذا الحكم منطوياً على بطلان ، وطريق الطعن فيه هو الطعن بالاستئناف أو التمييز إذا كان قد صدر من محكمة الاستئناف بهذا الوصف وكان قابلا للطعن بهذا الطريق الأخير الغير عادي .

كذلك لا بد أن يكون كلا الحكمين قد صدر بالإدانة ، فإن كان أحدهما بهذا الوصف والآخر بالبراءة فإن شروط الحالة لا تقوم ولو ثبت التناقض بينها ، لأننا نكون أمام حكم واحد يسند التهمة إلى شخص واحد ، ومن ثم لا يتحقق الشرط .

وأخيرا يتضمن هذا الشرط أن يكون الحكمان الباتان ضد شخصين مختلفين ليس بينهما رابط المساهمة الجنائية بأي وصف ، بمعنى لا يكون فاعلا أصليا معه أو شريكا سابقا أو لاحقا ، لإمكانية تصور التناقض الذي يقوم جوهره على كون كل حكم فيهما ينسب الواقعة الإجرامية  إلى شخص آخر .

فإن كان كلا الحكمان قد صدر على شخص واحد ، فإن الطعن بالتماس إعادة النظر لا يقبل ، لعدم تحقق شروط هذه الحالة ، بل نكون أمام محاكمة فاعل واحد عن نفس الفعل مرتين متتاليتين ، وهذا غير جائز ، ومن ثم كان بالإمكان الدفع بسبق الفصل في الواقعة أمام محكمة أول درجة التي تهم بمحاكمته عن الفعل مرة أخرى ، لكون الحكم الأول قد حاز على قوة الأمر المقضي ، وأصبح عنوانا للحقيقة ، سواء تضمن البراءة أم الإدانة ، ونحن هنا – ومع ذلك – نفترض الإدانة في الحكم الاول ، وبالرغم من هذا ، فإن هذا المثل لا يحقق الشرط ، وهو وجود شخصين مختلفين ليس بينهما رابط المساهمة الجنائية لقيام حالة التناقض.

الشرط الثاني : وجود تناقض بين الحكمين يستنتج معه براءة أحد المحكوم عليهما : يقصد بالتناقض بين الحكمين أن يوجد منطوقان لحكمين بحيث ينقض كل منهما الآخر ، فلا يستدل من خلالهما بالاستنتاج على  مرتكب الفعل، إذ إن من خلال محاولة الجمع بينهما يتبين براءة أحد المحكوم عليهما ، فلا تناقض اذا عارض أحد المنطقين أسباب الحكم الآخر ، إذ يشترط أن يكون التناقض بين المنطوقين ، لا بين المنطوق والأسباب التي بني عليها الحكم الآخر. ومثال التناقض بين المنطوقين أن ينسب الحكم الأول واقعة إلى زيد باعتباره الفاعل الوحيد لها ، ومن ثم ينسب حكم آخر إلى خالد الواقعة ذاتها باعتباره فاعلا أوحد لها .

(3)إذا حكم على أحد الشهود أو الخبراء  المقررة  لشهادة الزور ،في الباب الثالث من قانون الجزاء أو إذا حكم بتزوير ورقة قدمت أثناء نظر الدعوى وكان للشهادة أو تقرير الخبير أو الورقة تأثير في الحكم .

تفرض هذه الحالة التي يقوم معها التماس إعادة النظر إن تحققت شروطها ، وهي تتطلب ومن خلال النص أن يتوافر لقيامها عدة شروط :

الشرط الأول : أن يوجد حكم بات بإدانة شاهد أو خبير بشهادة زور ، أو حكم بات بتزوير ورقة قدمت أثناء نظر الدعوى السابقة ، والتي صدر فيها حكم على شخص . ولكي تتحقق هذه الفرضيات ، فإنه لا بد من حكم قطعي بات بشأن شهادة أحد الأشخاص أو شهادة خبير باعتبارها مكونة لجريمة شهادة الزور المنصوص عليها في صلب القوانين الجزائية كنص المادة ( 136) من قانون الجزاء الكويتي التي تنص على أن (كل شخص كلف بأداء الشهادة أمام إحدى الجهات القضائية وأقسم اليمين ، ثم أدلى ببيانات كاذبة وهو يعلم عدم صحتها ، يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات وبغرامة لا تجاوز ثلاثة آلاف روبية أو بإحدى هاتين العقوبتين . ويعد في حكم الشاهد زورا كل شخص يكلفه القضاء بعمل من أعمال الخبرة أو الترجمة ، فيغير الحقيقة عمدا بأية طريقة كانت ).

فلا بد إذن من وجود حكم جزائي بات ، يقرر أن شهادة هذا الشاهد أو الخبير ، كانت مزورة ، وكذلك الأمر ،  فيما يتعلق بتزوير الورقة ، إذ لابد من وجود حكم جزائي بات، يقرر قيام جريمة التزوير المشار إليها بالنصوص الجزائية التي يتضمنها قانون الجزاء ، ومنها القانون الكويتي من خلال المادة ( 257) التي تنص على أنه ( يعد تزويرا كل تغيير للحقيقة في محرر بقصد استعماله على نحو يوهم بأنه مطابق للحقيقة ، إذا كان المحرر بعد تغييره صالحا لأن يستعمل على هذا النحو ….)

الشرط الثاني : أن يكون لهذه الشهادة أو الورقة التي ثبت تزويرها بحكم بات ،  أثر أو شأن ، في صدور الحكم الجنائي المراد التماس إعادة النظر فيه ، أي أن حكم الإدانة قد بني على هذه الشهادة أو الورقة ، مما يثبت وجود الخطأ المتعلق بالحكم المراد التماس إعادة النظر فيه ، ولكن لا بد أن تكون المحكمة التي أصدرت الحكم المراد التماس إعادة النظر فيه ، قد استندت في حكمها على هذه الشهادة ،  أو الورقة المزورة ، سواء لوحدها ، أو مع دليل آخر ، فكونا عقيدتها ، أما إذا عرضت هذه الشهادة،  أو الورقة ، على المحكمة ، التي أصدرت الحكم ، فاستبعدتها باعتبارها دليلا واستندت على أدلة أخرى في حكم الإدانة فلا تتحقق هذه الحالة .

الشرط الثالث : أن يصدر الحكم بشهادة الزور أو بتزوير الورقة بعد أن أصبح الحكم المراد التماس إعادة النظر فيه حكما باتا ، وهذا بالفعل ما يبرر قيام التماس إعادة النظر ، إذ إنه إن لم يصبح باتا ، وكان هناك مجال للطعن فيه ، فإنه يمكن إصلاح هذا الخطأ ، ومن ثم لا يوجد مبرر لفتح التماس إعادة النظر في هذا الحكم القائم بإدانته على هذه الشهادة أو الورقة المزورة .

(4)إذا كان الحكم مبنيا على حكم صادر من محكمة مدنية أو من  إحدى محاكم الأحوال الشخصية وألغي هذا الحكم .

تفترض هذه الحالة أن يبنى حكم جنائي على أساس من حكم آخر ، صادر من محكمة مدنية أو محكمة الأحوال الشخصية ، ويكون لهذا الحكم غير الجنائي قوة ملزمة وقاطعة ، في المسألة القانونية التي صدر الحكم بها ، فلا مجال لأن يستند حكم جنائي على حكم آخر ، إلا إذا قامت واقعة مرتبطة بذلك الحكم الغير جنائي.

ومن أمثلة ذلك ، أن يستند حكم جنائي بجريمة زنا على أساس من نص المادة (195) التي تقرر أن ( كل شخص متزوج – رجلا كان أو امرأة – اتصل بغير زوجه ، وهو راض بذلك ، وضبط متلبسا بالجريمة ، يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز خمس سنوات ، وبغرامة لا تجاوز خمسة آلاف روبية أو بإحدى هاتين العقوبتين ) على حكم آخر غير جنائي صادر من محكمة الأحوال الشخصية . ومن اجل التوضيح نسوق هذا المثال : فلو افترضنا أن ( أ ) اتهم بقضية الزنا تلك ، فدفع بأنه غير متزوج نظرا لطلاقه من زوجته بتاريخ سابق على تاريخ وقوع واقعة  الزنا ، إلا أن محكمة الأحوال الشخصية أصدرت حكما يقرر وجود العلاقة الزوجية ، فأسس الحكم الجزائي بإدانته على موجب من نص المادة (195) التي تتطلب – كشرط مفترض فيها – وجود علاقة زوجية  ، وبعد صدور الحكم الجنائي بإدانته واتصافه بكونه حكما باتا لا يقبل الطعن ، ألغي الحكم الصادر من محكمة الأحوال الشخصية المؤسس عليه إدانته بالزنا المشار إليه من خلال المادة (195) .

أو قد تتطلب هذه الحالة من حالات جواز التماس إعادة النظر في الحكم الجزائي صدور حكم من محكمة أخرى كالمحكمة المدنية ، يقضي بوجود عقد من عقود الأمانة ويؤسس عليه حكم جزائي يقضي بالإدانة في جريمة خيانة أمانة ، ومن ثم يلغى الحكم المقرر لعقد الأمانة بعد صيرورة الحكم الجنائي باتا ، على النحو المقرر بالتشريع الكويتي ، بمعنى لا يقبل الطعن بأي وسيلة من وسائل الطعن العادية أو الغير عادية التي منها التمييز فقط .

كما تجدر الإشارة إلى أنه وإن كان من المقرر أن لا حجية لأحكام المحاكم المدنية أمام المحاكم الجنائية ، إلا أن ذلك مقصور فيما يتعلق بوقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها ،  ويعني ذلك أن للحكم المدني حجية فيما عدا ذلك ، وبصفة خاصة إذا قرر شرطا مفترضا للجريمة غير مادياتها ، كما لو أثبت في خيانة الأمانة وجود عقد أمانة أو ملكية المال لغير المتهم .

(5) إذا حدثت أو ظهرت بعد الحكم وقائع أو إذا قدمت أوراق لم تكن معلومة وقت المحاكمة وكان من شأن هذه الوقائع أو الأوراق ثبوت براءة المحكوم عليه

لعل هذه الحالة هي من أشهر الحالات التي يسوقها الفقهاء عادة لبيان مفهوم التماس إعادة النظر ، وهي من الأهمية بحيث إنه يطلق عليها عادة أنها الحالة الاحتياطية والشاملة لكل ما لم يقرر من خلال الحالات السابقة لالتماس إعادة النظر في الأحكام الجزائية ، فهذه الحالة حالة احتياطية يتم تشريعها لتلافي أي نقص في الحالات الأربع السابقة ، والتي جاءت متصفة بالضبط والتحديد من حيث الشروط الدقيقة التي ترسم لكل منها نطاق محدداً أما هذه الحالة فيتم تطبيقها بعد استبعاد الحالات الأخرى ، وتتطلب هذه الحالة ضرورة توافر شرطين مهمين : الشرط الأول ، أن تكون الواقعة أو الأوراق جديدة ، الشرط الثاني : أن يكون من شأن الواقعة الجديدة ثبوت براءة المحكوم عليه .

الشرط الأول : أن تكون الواقعة أو الأوراق جديدة :فيجب أن تكون الواقعة أو الأوراق مجهولة وغير معلومة وقت المحاكمة ولم تأخذها المحكمة في اعتبارها عندما أصدرت حكمها بالإدانة ، وكان من المحتمل ألا تصدر حكمها لو كانت تعلم بها ، وعليه فلا يشترط أن تكون الواقعة قد حدثت أو الورقة أنشئت بعد الحكم ، وإنما يكفي أن تكون الواقعة حدثت أو الورقة قد كشفت أو قدمت بعد الحكم المراد الطعن بالتماس إعادة النظر فيه ، وقد ثار التساؤل حول كون تلك الواقعة مجهولة أو غير معلومة بالنسبة لمن ، للمتهم أم للمحكمة ؟ يرى الفقه أن المتهم ، لو كان يعلم بتلك الواقعة ولم يطرحها للمحكمة أثناء دفاعه ، لا يصح له بعد ذلك أن يتقدم بطلب إعادة النظر استنادا اليها ، إذ أنه هو الذي أحجم عن التمسك بذلك الدفاع فيحصد تبعا لذلك نتيجة ما زرع.

هذا ، ولا يتحقق مفهوم واقعة جديدة في التفسير الجديد لواقعة كانت معروضة على المحكمة ، إذ إن الجديد في هذه الحالة هو التفسير ، لا الواقعة ذاتها ، وعليه فلا يجوز أن يستند إعادة النظر إلى رأي تقرير خبير آخر يتناقص في شأن الواقعة مع تقرير الخبير الذي كان معروضاً على المحكمة، ولا يجوز الاستناد إلى أعراض طرأت بعد الحكم وتثبت جنون المتهم إذا كان قد سبق ودفع بجنونه أثناء المحاكمة ومحصت المحكمة هذا الدفع وقالت رأيها فيه  أما إذا لم يسبق له هذا الدفع ، فإنه من الجائز حسب ما يراه الفقه والقضاء المصري والفرنسي اللجوء إلى التماس إعادة النظر ، ولا يجوز الاستناد إلى أدلة جديدة لإثبات ذات الواقعة التي كانت معروضة على المحكمة ورفضت المحكمة القول بثبوتها ، كما أنه لا يعتبر واقعة جديدة التعديل التشريعي ولو كان في مصلحة المتهم ، أما إذا كان هذا التعديل التشريعي من شأنه أن يجعل الفعل غير معاقب عليه ، فإنه يؤدي إلى سقوط الحكم عن المتهم بقوة القانون وزوال آثاره الجنائية .

أما الأوراق التي وردت في النص فيقصد بها تلك المستندات التي تقبل عادة في إثبات واقعة ، كإيصال الأمانة المقرر لتسلم الدائن الأمانة ، و ورقة الشيك التي وجدت بحوزة الدائن والتي يدعي سرقتها ، أو كما يعبر البعض بأنها كافة الأشياء التي يمكن الكتابة أو النقش أو الرسم عليها .

الشرط الثاني : أن يكون من شأن الواقعة الجديدة ثبوت براءة المحكوم عليه . والغاية من هذا الشرط هو أن تؤدي هذه الوقائع أو الأوراق الجديدة إلى ثبوت براءة المحكوم عليه، وبمعنى آخر ثبوت خطأ حكم الإدانة فيما قضى به ، ووجوب إلغائه ، وتقرير براءة المتهم باعتباره النتيجة المنطقية لظهور الواقعة أو الأوراق الجديدة ،  أما إذا لم يكن لأي منهما هذا الشأن أو كانتا مؤيدتين للإدانة أو ليست جديرة بأن يعتد بها القضاء في ثبوت براءة المتهم فإن العلة من فتح باب التماس إعادة النظر تكون منتفية . إلا أن ذلك لا يعني – وكما يقرر الفقه – أن تكون الواقعة الجديدة مثبتة لبراءة المحكوم عليه بذاتها واستقلالاً عن أي دليل آخر .وإنما يكفي أن تثبت البراءة عن طريق تساندها مع دليل ، أو أدلة أخرى في الدعوى ، بحيث يكون من شأن هذا التساند ثبوت براءة المحكوم عليه ، فقد تتمثل الواقعة الجديدة في عدول شاهد الإثبات عن شهادته التي استند إليها حكم الإدانة ، وقد يكون هذا العدول غير كاف في ذاته للإقناع بالبراءة ، ولكن إذا تساند مع تقرير الخبير أو شهادة شاهد نفي آخر في الدعوى ينشأ الاقتناع ببراءة المحكوم عليه،  وفي هذه الحال يكون من شأن هذه الواقعة الجديدة ثبوت براءة المحكوم عليه.

كذلك أثير التساؤل حول مدى اشتراط أن تكون الواقعة الجديدة قاطعة في ثبوت البراءة، أم يكفي احتمال ثبوت البراءة . فقد تطلبت محكمة النقض (نقض 31 يناير سنة 1967 مجموعة أحكام النقض س 18 رقم 27 ص  142 ) أن تكون الواقعة الجديدة قاطعة في ثبوت براءة المحكوم عليه ، أو ينتج عنها سقوط أو نفي الدليل على إدانته أو على تحمل التبعية الجنائية ، فلا يكتفي في هذه الحالة بمجرد عدول الشاهد عما سبق أن أدلى به أمام محكمة الموضوع ، دون أن يصاحب عدوله ما يحسم الأمر بذاته ، ويقطع بترتب أثره وفي ثبوت براءة المحكوم عليه وهو ما يؤدي إلى عدالة الموازنة بين حق المحكوم عليه وصالح المجتمع الذي يضيره المساس بقوة الشيء المقضي فيه دون سبب جازم وقاطع، وهي من حالات النظام العام التي تمس مصلحة المجتمع وتقضي بوضع حد لنزاع فصل فيه القضاء نهائياً ، فأصبح بذلك حكم القضاء عنوان حقيقة هي أقوى من الحقيقة ذاتها.

ولا شك أن تطلب اليقين في ثبوت البراءة قد يرى البعض فيه أنه مستمد من قوة الحكم البات ، التي تنبع عنها قرينة مجسدة لحقيقة الأمر المقضي به ، فيما قرره هذا الحكم ، ومن مصلحة المجتمع الإبقاء على هذه القوة واحترامها والتسليم بهذه القرينة ، ولا يجوز إهدارها استنادا على واقعة جديدة دون اهتمام بنوع تلك الواقعة ، وإنما يجب أن يقتصر المساس بهذه القوة على حالة الواقعة الجديدة القاطعة ببراءة المحكوم عليه ، أي خلق اليقين بالبراءة، وهو الذي يوازن بين مصلحتين اجتماعيتين على رأي محكمة النقض المصرية . ذلك أن طلب إعادة النظر في هذه الحالة الخامسة ليس مقررا للمحكوم عليه أو أقاربه أو زوجه ، – كالوضع في الحالات الأربعة السابقة – وإنما هو مقرر فقط للنائب العام وحده ، سواء من تلقاء نفسه ، أو بناء على التماس أصحاب الشأن ، بل إنه – وكما يقرر المشرع نفسه –  ليس للنائب العام ، إذا رأي للطلب محلا أن يحيله مباشرة إلى محكمة النقص وإنما يرفعه إلى لجنة قضائية وهي التي تقرر إحالته إلى محكمة النقض إذا رأت قبوله وهذه الإجراءات لا تكفل إحالة الطلب إلى محكمة النقض إلا إذا كان جدياً وكان احتمال البراءة الذي ينبعث عن الواقعة التي يستند إليها احتمالا قوياً على نحو يتبين معه أن من شأن قبول الطلب تحقيق التوازن المطلوب بين المصلحة الاجتماعية في احترام قوة الحكم والمصلحة الاجتماعية أيضا في إصلاح الخطأ القضائي وإلغاء الإدانة التي استندت إليه وقد رجح هذا الرأي لدى محكمة النقض الفرنسية ونحن نميل إلى اعتناق هذا الرأي.

والجدير بالذكر ، أن ما ذهبت إليه محكمة النقض المصرية في هذا الشأن ، ليس هو الرأي المجمع عليه في الفقه ،  فيذهب رأي آخر إلى الاكتفاء بأن يكون من شأن الواقعة الجديدة خلق احتمال البراءة أو إقامة قرينة عليها أو إثارة الشك الجدي في الإدانة التي قررها الحكم المطعون فيه ، ويستند هذا الرأي على أن مجمل الحالات التي يثور فيها طلب إعادة النظر في هذه الحالة لا تخلق الواقعة الجديدة يقيناً بالبراءة وإنما تخلق احتمال البراءة، ويعلل أصحاب هذا الاتجاه ذلك بأنه لو تطلب هذا الشرط اليقين المطلق بالبراءة ، لانحسر نطاق هذه الحالة على نحو يفقدها جدواها ، وما يقال به من تطلب اليقين بالبراءة هو في حقيقته احتمال قوي بالبراءة .

بهذا ، اختم تعليقي المختصر على التماس اعادة النظر دون حاجة للتطرق لنصص أخرى وردت في مشروع قانون التماس اعادة النظر في المواد الجزائية خصصت لكيفية تقديم مثل هذا الطعن أمام المحكمة الجزائية أو الاثار المترتبة على هذا الطعن ،حيث أنها تمتاز بسهولة الفهم،وقد يكون لنا تعليق أخر متصل بها عندما يحين الوقت ويتم نفاذ هذا المشروع الذي سيكون ان شاء الله مادة جميلة لكثير من الدراسات من قبل اصحاب الاختصاص الجزائي شاكرين في هذا المقال والمقام لكل من ساهم في صدوره من مجلس الأمة الموقر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق