المقالات

من يعش يكبر ومن يكبر يمت .. والمنايا لا تبالي من أتت

هذا البيت حقيقة لا لبس فيها, فمن عاش تقدم به السن وكبر ومن كبر وافته منيته, فالموت حتم وأمر كتبه الله علينا، لا مفر منه، «أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لايكادون بفقهون حديثا» النساء -78. فكل أحد صائر الى الموت وكل صغير يكبر، فلنستعد لمثل هذا الموت، يقول النبي, صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل، ولنحسن الظن بالله تعالى ونتذكر قوله عز وجل : «قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم» «الزمر- 53» ثم يقول هذا الشاعر :

كم وكم قد درجت من قبلنا

من قرون وقرون قد مضت

أين من كان قبلنا أين قوم نوح وثمود وعاد، أين الملوك المتوجة؟ لم يخلد منهم أحد بل تفانوا، ولله در ابو الحسن التهامي, حيث يقول :

حكم المنية في البرية جار

ما هذه الدنيا بدار قرار

بينا يرى الإنسان فيها مخبرا

حتى يرى خبرا من الأخبار

روى ابن ابي الدنيا بسنده عن أنس بن مالك, رضي الله عنه, أنه قال : جاء ملك الموت الى نوح عليه السلام فقال : كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال : كرجل دخل بيتا له بابان فقام في وسط البيت هنية ثم خرج مم الباب الآخر «انتهى»ولنعد الى بقية ابيات هذا الشاعر الذي يقول :

أيها المغرور ما هذا الصبا

لو نهيت النفس عنه لانتهت

كأنه يقول المغرور من غرته الدنيا، والصبا هنا يعني بها هذا الشاعر الميل الى ملذات الدنيا وعدم التفكير بالآخرة، ولو أراد المرء ترك شهوات الدنيا وملذاتها غير المحللة لاستطاع ذلك بالنية الصادقة والعزيمة والتوكل على الله، ويقول:

أنسيت الموت جهلا والبلى

فسلت نفسك عنه ولهت

اجعل الموت نصب عينيك فالموت وعد صادق سنه الحاكم العادل الحي الذي لا يموت، إنه هادم اللذات ومفرق الجماعات، كيف ينساه المرء ويلهو عنه؟ فإياك والغفلة عنه،  ومعنى هذا ألا تنسى الموت ولاتشغلك ملذات الدنيا عن لقاء الله، إن نسيان الموت برأي هذا الشاعر  حمق وقلة عقل، والمسلم إذا آمن بالموت وأعد نفسه للآخرة لايدهمه الموت على حين غفلة، ويقول:

نحن في دار بلاء وأذى

وشقاء وعناء وعنت

وصف دقيق لهذه الدنيا الفانية, فقد قال إنها دار بلاء، والبلاء الشدائد والمصائب والغم والحزن لاتصفو على حال، كما أنها دار بلاء، والبلاء أيضا المصاعب والمحن واختبار للعباد، والأذى والشقاء والعناء والعنت كلها تصب في معنى واحد، والعنت معناه الشدة، ويقول :

منزل ما يثبت المرء به

سالما إلا قليلا إن ثبت

بينما الإنسان في الدنيا له

حركات مقلقات إذ خفت

أبت الدنيا على سكانها

في البلى والنقص إلا ما أبت

انما الدنيا متاع بلغة

كيفما زجيت في الدنيا زجت

رحم الله امرأ أنصف من

نفسه إن قال خيرا أو سكت

هذه الأبيات الرائعة يقولها إسماعيل بن القاسم بن سويد العنزي بالولاء العيني نسبة لعين التمر أبو إسحاق الشهير بأبي العتاهية. وفي هذا القدر كفاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرة − 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق