المقالات

«بنات الدهر وأبو الطمحان» .. حنتني حانيات الدهر حتى .. كأني خاتل أدنو لصيد «1-2»

هذا البيت فيه تصوير غاية في البلاغة لحال المرء بعد طعنه بالسن وتقدم  عمره، وقربه الشديد من مفارقة الأهل والأحبة، وقد بدأ صاحب هذا البيت المؤثر بكلمة «حنتني»، والأصل الانحناء، وعندما يطعن الانسان بالسن ينحني ظهره لأنه أصبح عجوزاً  فانياً ارتخت عظامه وتقوس ظهره واعوج،  ومال عن  استوائه،  وقد لعبت به بنات الدهر، وهنّ الشدائد، وتعاقب الايام والليالي يسابق بعضها بعضاً، صروف الدهر تضعف الانسان وقد فعلت أفاعليها بهذا الشيخ الفاني، حتى جعلت خطواته بطيئة حذرة ثقيلة ضعيفة من يره يرَ في مشيته هيئة صياد يتقدم لصيده في حذر متحيناً الفرصة لاصطياده! هل رأيتم مثل هذا التصوير الرائع لشكل ابن آدم في كبره؟ حتى انه في بيته الثاني يعطينا صورة في غاية الوضوح لمعاناته الشديدة في صعوبة تحركه وقيامه  وجلوسه فيقول:

قصير الخطو يحسب من رآني

ولست مقيداً أني بقيد

تصوروا كيف يتحرك المقيد من مكان إلى مكان لتعرفوا ما فعل الدهر بهذا الشاعر الذي تجاوز المئة عام بأقل تقدير للروايات  التي ذكرت كم عاش، تأملوا بيته الثالث:

تقارب خطو رجلك يا سويد

وقيّدك الزمان بشر قيد

هل للزمان سلاسل وحبال يقيد بها الناس؟ الإجابة: ليس للزمان قيد، وما قيد الزمان إلا بناته وصروفه وتقدم السن وما ينتج عنه من ضعف حركة وعزم وقلة نشاط. هذه الأبيات السائرة لشاعر من كبار شعراء الجاهلية والاسلام، وهو أبو الطمحان  القيني، واسمه حنظلة  بن الشرقي، من بني كنانة بن القين، شاعر معمر، كان هذا الشاعر نديماً للزبير بن عبدالمطلب بن هاشم عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صاحب أفضل بيت مدح في الجاهلية حيث يقول:

أضاءت لهم أحسابهم  ووجوههم

دجى الليل حتى نظّم الجزع  ثاقبه

وقد أورده صاحب كتاب المعمرين «أبو مخنف», وقال إنه عاش مئتي سنة، وكان أبو الطمحان بحسب كتاب الأغاني فارساً شاعراً  صعلوكاً لصاً خارباً كثير الجنايات، له وقائع مشهورة، فاسد الدين في الجاهلية والاسلام، مخاطراً بنفسه، نزل على الزبير بن  عبدالمطلب بمكة وظل عنده زمناً طويلاً ونادمه.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر + ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق