المقالات

التكنولوجيا تهزم السياسة

هل شبت ثورة التكنولوجيا عن الطوق، وكبر الأسد وأصبح وحشا يلتهم من ربّاه، لماذا يشتكي الآن قادة السياسة وأجهزة المخابرات في العالم من الثورة الجديدة التي
لا يتجاوز عمرها الحقيقي أكثر من عشرين عاما فقط، هل أصبح الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي سلطة بلا قيود.
هذه الأسئلة وغيرها تجعلنا نعيد التفكير مرة آخرى في المعلومات التي تداولها الناس في بداية معرفة ما يسمى بالانترنت ثم ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، فقد كان هناك يقين بأن من يسيطر عليها ويديرها أجهزة سيادية ضخمة في الدول الكبرى وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية لتوظيفها في أمور استخباراتية.
لكن على ما يبدو أن أحداث التظاهرات الأخيرة في الولايات المتحدة عقب مقتل المواطن الأميركي الأسود جروج فلويد، تجعل من أسئلتنا اسئلة مشروعة وأجابت عنها بالفعل المظاهرات الاميركية والصدام بين ترامب ومواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليدي، ثم شكوى الرئيس السابق باراك أوباما من ثورة التكنولوجيا التي «جعلت من الحبة قبة» – كما يقول المثل الشعبي المصري – في الأحداث الأخيرة.
بما يعني أن ثورة الاتصالات تحولت الى وحش ومارد تتجاوز تأثيراته قوة ونفوذ السلطة التقليدية وسلطة أجهزتها الأمنية.. وانهارت أمامها نظريات تاريخية عتيقة مثل نظرية «دور الفرد في التاريخ»، فحوادث اجتماعية بسيطة مثل حادثة البوعزيزي في تونس أو جورج فلويد تتحول بسبب الانترنت والفيسبوك والتويتر الى أسباب للثورة ووقود لها ضد نظام الحكم، هو ما يعني أنه لا انفصام ولا انفصال بين ما هو اجتماعي وما هو سياسي في عالم الفضاء الإلكتروني.
الرئيس الأميركي السابق أوباما في حوار له على شبكة النيتفيلكس اعترف بان الفيسبوك هو الذي يسير رواده الى حيث يختار القائمون عليه طبقا للانحيازات السياسية والاجتماعية، ومع مرور الوقت يتم فرض ذلك عليك أكثر فأكثر. ثم يقول: هكذا تسير الأمور في «فيسبوك» الذي يُعد المصدر الرئيسي للأخبار. وهكذا – أيضاً – يعيش الناس في «فقّاعة»، وهذا جزء من أسباب الاستقطاب السياسي الكبير الموجود حالياً في أميركا.
أوباما أبدى قلقا شديدا بشأن التوافق الوطني في الولايات المتحدة، وكيف أن «فيسبوك» وغيره ساهم في تعميق الخلاف، وتأكيد الانقسام، وقطع الطريق بين كل فريق والفريق الآخر، حيث لا يقرأ الفريق إلا لأعضائه، ولا يرى إلا نفسه، وبحيث يشعر أعضاء الفريق أنهم هم الجماهير العريضة، وأنهم وحدهم يحوزون المنطق السليم والرسالة النبيلة، وغيرهم لا يملكون ذلك… احذروا وحش الفيسبوك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 − أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق