المقالات

جرير… وجبل الريان «2-2»

وهي أبيات كثيرة في غاية الجودة والرصانة، وجرير بن عطية سيرته في متناول الجميع ان أرادوا، عاش قرابة الثمانين عاما، فقد ولد في خلافة ذي النورين عثمان بن عفان، رضي الله عنه وارضاه، سنة 30 هـ وتوفي بعد 115 هـ في خلافة هشام بن عبدالملك بن مروان «105 – 125هـ» وهو من اهل بادية نجد منطقة «ثرمداء» بالوشم في المملكة العربية السعودية وهو مولود لسبعة اشهر كان جده حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع، شاعراً وكذلك امه وقد رأت امه رؤيا هالتها وافزعتها وهي حامل به ففسرت رؤياها بأنها تلد رجلاً سيكون له شأن عظيم، وفي ذلك تقول أم جرير:
قصصت رؤياي على ذاك الرجل
فقال لي قولاً وليت لم يقل
لتلدن عضلة من العضل
ذا منطقٍ جزلٍ إذا قال فصل
قارع جرير شعراء عصره فبذهم ولم يثبت له إلا الفرزدق، فكانا شاعري زمانهما وهما ابنا عم الا ان اسرة الفرزدق فيها زعامة تميم، وجرير متين الايمان، رآه الفرزدق «همام بن غالب» في مكة المكرمة حاجا, فناداه:
إنك لاقٍ بالمحصب من منى
فخارا فخبرني بمن أنت فاخر
فرد عليه جرير: «لبيك الله أم لبيك»، ولم يعره اهتماماً لأنه نوى الحج، وذكر عن غير واحد ان عثمان البتي قال: رأيت جريراً وما تضم شفتاه من التسبيح، فقلت له ما ينفعك تسبيحك أبا حرزة وانت تقذف المحصنات في شعرك؟ فقال جرير سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ولله الحمد «إن الحسنات يذهبن السيئات»، وعد الله حق «البداية والنهاية – ابن كثير»، وكان الناس في ذاك الزمان يقولون: «جرير يغرف من بحر والفرزدق ينحت من خصر» وكان جرير قد سأل عبيد الراعي «النميري العامري» ألا يقف مع الفرزدق ضده لأن عبيدا هذا كان يقول الفرزدق اشعر من جرير فوعده خيراً ولكنه لم يف بوعده وعاد إلى تفضيل الفرزدق على جرير فلقيه جرير في سوق المربد فعاود معاتبته وبينما جرير يكلمه وعبيد الراعي يهم بالاعتذار اذ بابن لعبيد الراعي يضرب بغلة ابيه بسوطه ويطلب منه عدم الاعتذار لجرير ويشتم جرير ويسيء اليه على مرأى ومسمع من الناس، فاعتبرها جرير اهانة له وتألم كثيرا لما قاله ابن عبيد الراعي وذهب الى بيته الا انه لم يستطع النوم وظل قلقا ساهراً، فقال قصيدته المشهورة في بني نمير، هذه القصيدة التي جعلت بني نمير اذا سئلوا عن نسبهم تركوا نمير وانتسبوا إلى جدهم عامر، والتي بدأها بقوله:
أقلي اللوم عاذل والعتابا
وقولي إن أصبت لقد أصابا
أجدك ما تذكر أهل نجد
وحيل طال ما انتظروا الايابا
حتى وصل إلى ما قصم ظهر نمير، حيث يقول:
انا البازي المطل على نمير
أتيح من المساء له انصبابا
اذا علقت مخالبه بقرن
أصاب القلب أو هتك الحجابا
أتلتمس السباب بو نمير
فقد وأبيهم لاقوا السبابا
ألم ترني صببت على عبيد
وقد فارت أباجله وشابا
أعد له مواسم حاميات
فيشفي حر شعلتها الجرابا
فغض الطرف إنك من نمير
فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وهي أبيات كثيرة وما ان وصلت إلى مسامع بني نمير حتى نادى عبيد الراعي في قومه ركابكم.. ركابكم فليس لكم والله ها هنا مقام، فضحكم والله جرير فلم يسمع منهم بعد ذلك إلا ضوضاء الرحيل، وكانت هذه القصيدة الدامغة. أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق