المقالات

من يحكم العالم؟

أتاح لي عملي رئيساً لتحرير مجلة «المشاهد السياسي» قبل انتقال ملكيتها إلى شركة عربية شقيقة مملوكة للدولة العربية الخليجية التي اشترت قناة BBC العربية، وحولتها إلى قناة «الجزيرة» أن أدخل على لاين المعلومات السياسية المهمة التي تؤهلني لكتابة افتتاحيات المجلة التي يفترض أن تعبر عن الموقف الحكومي الرسمي باعتبار أن «المشاهد السياسي» جزء من نشاط حكومي في إطار هيئة الإذاعة البريطانية التي يرأسها رئيس الوزراء بحكم القانون ويديرها نيابة عنه وزير الخارحية. الوظيفة أتاحت لي حضور جلسات مهمة في مجلس العموم شرح في إحداها توني بلير في عام 1998 طبيعة العلاقة بين بريطانيا والولايات المتحدة بموجب اتفاقات والتزامات ترتبت مقابل دخول واشنطن الحرب العالمية الثانية لتغيير مجريات الحرب ووقف تقدم الجيش الألماني وإنقاذ ما يمكن انقاذه من أرواح، وقال بلير يومها إن ليس بإمكان لندن من جانب واحد أن تلغي أي أمور ترتبت بموجب ما سبق ان تم الاتفاق عليه معترفاً مثل كل القادة السياسيين أن اقناع ونستون تشرشل للرئيس الاميركي فرانكلين روزفلت هو الذي غير مجرى الحرب وأوقف أكثر الصراعات التي شهدها العالم دموية. وقال إن الأمر أكثر من حسبة منتصر ومهزوم في الحرب وإن ما تم الاتفاق عليه بعد ذلك في فبراير 1945 في منتجع يالطا الروسي المطل على البحر الاسود والذي جمع روزفلت وتشرشل والزعيم السوفييتي جوزيف ستالين وهم الثلاثة الذين عرفوا بالكبار. رئيس الوزراء البريطاني قال أمام المجلس إنه كان متحرراً وهو طالب جامعي وان زملاءه كانوا مثله من المطالبين بتغيير كل ما ترتب على المملكة المتحدة من التزامات قال إنهم قبل ان ترفع القيود الامنية عنهم ويسمح لهم بخوض الانتخابات التي أوصلتهم للحكم هو وجاك سترو وروبن كوك وديفيد كاميرون واخرون. بلير قال إن المجموعة التي صنفت على انها اقرب الى اليسار على الطريقة البريطانية اكتشفت عندما تسلمت 10 داوننغ ستريت «مقر رئاسة الحكومة» ان العالم ليس كما هو معروف لمن لا يعرف الصغائر والكبائر. اعترف بأن مجموعته كانت تحلم بتخليص بريطانيا من عتق التزامات ليست فقط مع واشنطن. كانت البارونة مارغريت ثاتشر صرحت بعد عودتها من أول زيارة رسمية لها إلى الولايات المتحدة ، بأنها لم تكن تعرف اميركا كما تعرفها الان. وذكرت ان منصبها كرئيسة وزراء سمح للادارة الاميركية ان تطلعها على بعض ما تجهله عن العالم والقوة التي تحكم العالم واطراف اخرى أو قوى اخرى تشترك مع ادارة الظل في اميركا في حكم العالم. بلير قال لمجلس العموم إن صناع القرار وحكام العالم ليسوا داخل البيت الابيض الاميركي وانما هم من يأتون بالرئيس ومن يحددون له سياسة الولايات المتحدة في عهده. واشار الى أن إدارة امور العالم ورسم مستقبله ليست بيد الولايات المتحدة اي ان الحكم الحقيقي ليس بيد الرئيس الاميركي الذي يتم اختياره ليعيش فترة السنوات الاربع الاولى في البيت الابيض، ولا بيد الولايات المتحدة كقطب احادي الجانب. ولم يدّع رئيس وزراء بريطانيا الاسبق ولم يبالغ عندما قال ان من يحكم العالم يتحكم بكل شيء بما في ذلك الولايات المتحدة ورئيسها وحكومتها إلا انه قال ان حكومة العالم لا تتصل مباشرة بمؤسسات الحكم الاميركي وان العلاقة تتم عبر البيت الأبيض وعبر تسريب دراسات ومقترحات وقوانين وسياسات الى مكتب الرئيس ووزارتي الدفاع والخارجية ووكالة المخابرات المركزية. وكل هذه الامور من خلال مراكز الدراسات المعتمدة في مجال صنع القرار ورسم سياسات المستقبل. وفي الحوار الذي دار خلال الجلسة تشعب الحديث الى ان منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومجلس الامن ومؤسسات صناعية دفاعية عملاقة واخرى لها علاقة بالنفط والبرامج والاجهزة الالكترونية الذكية ، لها صلة بشكل أو بآخر بحكومة العالم التي لم يتم من قبل كشف الستار عن أي معلومات موثقة أو بيانات عنها. غير أن مايلز كوبلاند في كتابه لعبة الامم « The game o nations» الذي صدرت أول طبعة منه عام 1970 والذي يتحدث عن الشرق الاوسط ويخوض في سياسة القوة الاميركية ، كان أول من لفت الانظار الى أن ما يجري في العالم لا تديره حكومة واحدة ولا حتى حكومتا الحرب الباردة «الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي»، وإنما مجموعة حكام يشكلون في الخفاء حكومة لكل العالم تخطط للسلم والحروب واختيار القادة والانقلاب على البعض منهم وتحدد مصير الانظمة وصناعة الاسواق وأسعار النفط والعملات والتضييق على بعض الدول والشعوب واغراقها في المشاكل. سألت مايلز, الذي تعاقد مع جريدة الأنباء في مطلع الثمانينات, إن كان قد ذكر كل شيء في كتابه «لعبة الامم» فقال: «لما بقيت حياً إلى الآن». انها المنظمة اليهودية التي تحكم العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة عشر + 10 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق