ترامب يسعى لشراء جزيرة غرينلاند القطبية بالدنمارك

طباعة

b_100_50_16777215_0___images_1-2018_E2(205).png

أعلن الرئيس الاميركي دونالد ترامب أنه تشاور مع مستشاريه من أجل شراء جزيرة «غرينلاند» الدنماركية، وانتشر هذا الخبر كالنار في الهشيم عبر وسائل الإعلام العالمية، وعرف عن هذه الجزيرة اكتساؤها بالجليد كونها جزيرة قطبية، فضلاً عن تمتعها بحكم ذاتي، وأبدى اهتمام واشنطن بشراء «غرينلاند» كرئيس للولايات المتحدة،ورغم أن العرض غير معقول كون وزارة الخارجية بالجزيرة أعلنت أنها ليست للبيع ولكن ترحب بالاستثمار، إلا أن الأمر يحمل طابعاً استراتيجياً وتاريخياً، فلا يعد ترامب أول رئيس اميركي يعرض شراء الجزيرة.وصرّح الساسة الدنماركيون بأن بلادهم لا يمكنها بيع خمسين ألف مواطن على غرينلاند لاميركا، إن الأمر برمته سخيف.

وبالنظر إلى تاريخ الولايات المتحدة، نجد أن هذه الدولة تشكلت عن طريق بيع الأراضي لها، فقد اشترت «لويزيانا» و«ألاسكا» بالإضافة إلى معاهدة «جوادالوب هيدالجو» التي تم بواسطتها بسط السيطرة على أكثر من نصف اليابسة في البلاد، وليست الأرض الوحيدة التي تبسط واشنطن هيمنتها عليها بالبيع والشراء.
ووفق اتفاقية شراء «لويزيانا» عام 1803، اشترت الولايات المتحدة أراضي في شمال أميركا من فرنسا مقابل 15 مليون دولار، وفي عام 1867، اشترت الولايات المتحدة «ألاسكا» من روسيا مقابل 7.2 ملايين دولار، وفي عام 1917، اشترت جزر تسمى «ويست إنديز» من الدنمارك مقابل 25 مليون دولار وأسمتها جزر العذراء.
ورغم بيع جزر العذراء، إلا أن الدنمارك تبدو متمسكة بشكل مختلف بـ«غرينلاند»، ورفضت كل المحاولات السابقة من اميركا لشراء الجزيرة، وكشفت أنه تحت رئاسة «هاري ترومان»، عرض وزير الخارجية آنذاك «جيمس بيرنز» 100 مليون دولار لشراء «غرينلاند» قائلا إنها مجرد جزيرة من الجليد لا فائدة منها لكن أهميتها الاستراتيجية لأميركا كبيرة.
وفي عام 1867 أثناء رئاسة «أندرو جونسون»، عرضت الولايات المتحدة شراء «غرينلاند»، والآن، يرى ترامب وفريقه أن الجزيرة تمثل طابعاً استراتيجياً ومصلحة مهمة للأمن القومي الاميركي.
تمتلك أمريكا قاعدة جوية ضخمة على أرض غرينلاند» تقع على بعد مئات الكيلومترات من الدائرة القطبية، ويستخدمها سلاح الجو والدفاع الجوي، ويوجد بها محطة رادار ضمن منظومة صواريخ باليستية ومنظومة إنذار مبكر،وتأتي الأهمية الاستراتيجية والعسكرية للولايات المتحدة في الوقت الذي تتزايد فيه أنشطة روسيا في هذه المنطقة الأمر الذي يثير قلق الدنمارك وأميركا على حد سواء.
ولم يصدق وزير الخارجية الاميركي الأسبق بيرنز فيما قاله عن أن «غرينلاند» مجرد مساحة من الجليد، ففي ظل ارتفاع درجة حرارة الأرض والتغيرات المناخية، بدأ الجليد في الذوبان، وأطلقت وكالة «ناسا» باحثيها لدراسة المنطقة وما طرأ عليها، ولكن بعيداً عن الأبحاث العلمية، وتحت الجليد، تزخر الجزيرة بكميات هائلة من موارد الطاقة والمعادن مثل خام الحديد والرصاص والزنك والألماس والذهب والنحاس واليورانيوم والنفط، وأصبح من الممكن استخراج كل هذه الثروات.
يريد الساسة المحليون استغلال كل هذه الموارد والثروات تحت أعين الدنمارك التي لا تزال تدعم الجزيرة اقتصادياً، بالطبع لأنها لم تنظر تحت أقدامها، وبالتالي، فإن «كوبنهاغن» لن تتخلى عن «غرينلاند» بسهولة، وتصر الدنمارك وساسة «غرينلاند» على أن الجزيرة ليست للبيع، ولكن ماذا لو وافقت الأطراف المعنية، بكم ستقدر قيمة «غرينلاند» بعد اكتشاف الثروات والمعادن المشار إليها بدلاً من اعتبارها في الماضي مجرد مساحة من الجليد؟
بالطبع، سيعتمد أي سعر على مدى الحاجة الملحة لاميركا وإدارة ترامب لشراء الجزيرة، وحتى الآن، لا تبدو نوايا البيت الأبيض واضحة، وربما تقدر قيمة الجزيرة حاليا بنحو 1.3 مليار دولار بناء على القيمة المعروضة عام 1946 المقدرة بمئة مليون دولار، لكن هذه القيمة كانت مقابل مساحة قطبية من الجليد لا أهمية اقتصادية لها، أما الآن، وفي ظل الثروات المدفونة تحت هذا الجليد، فإن السعر المطلوب سيكون مرتفعاً  للغاية وربما يصل إلى تريليون دولار.
وسيكون من غير العقلاني الظن بأن إدارة ترامب تسعى لشراء غرينلاند للحصول على موارد الطاقة والمعادن نظراً لأن طبيعة المناخ في هذه المنطقة قاسية ستجعل من الصعب والمعقد استغلال ثرواتها، وحتى في ظل ذوبان الجليد، سيكون على الولايات المتحدة في حال الشراء، التعامل مع التداعيات ربما المدمرة للتغيرات المناخية بتكلفة مرتفعة، كما سيكون على واشنطن التعامل مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية غير الملائمة مثل البنية التحتية الضعيفة ومعدل البطالة المرتفع إلى 9% ونقص الخدمات.