جريدة الشاهد اليومية

د.سليمان معرفي

د.سليمان معرفي

الأحد, 27 أبريل 2008

فقه الموازنات

د.سليمان معرفي

احذروا محاسنهم اذا اردت أن تتكلم حول شخص من الناحية الشرعية من حيث الجرح والتعديل ومن حيث التصنيف قامت دنيا بعض الناس ولم تقعد،‮ ‬ومن بين ما‮ ‬يطرحه هؤلاء الناس ما‮ ‬يسمونه اليوم‮ »‬بفقه الموازنات‮« ‬ويعنون به انك اذا اردت ان تنتقد شخصاً‮ ‬لابد ان تذكر محاسنه مع النقد وهذه الاطروحة الجديدة انما قالها من قالها حفاظاً‮ ‬على نفسه وعلى من هم على شاكلته وهم قالوها حماية لهؤلاء المجروحين،‮ ‬فاذا ذكرت المساوئ ثم اتبعت بالمحاسن كان الأمر تحصيل حاصل،‮ ‬فنحن عندما ننتقد انساناً‮ ‬انما ننتقده من باب التحذير من بدعته التي‮ ‬يتلبس بها ولسنا في‮ ‬معرض ذكر سيرته العطرة،‮ ‬ولا ادل على ذلك من فعل الرسول»ص‮« ‬وهو قدوتنا واسوتنا في‮ ‬هذا الباب وفي‮ ‬كل باب من ابواب الدين،‮ ‬فقد كان من هديه وهو‮ ‬يحذر من اهل البدع والاهواء المنتمين الى الاثنين والسبعين فرقة التي‮ ‬عناها صلى الله عليه وسلم في‮ ‬حديثه الصحيح الذي‮ ‬اتفق على صحته ائمة الحديث قديماً‮ ‬وحديثاً،‮ ‬فقد كان‮ ‬يحذر من محاسنهم اولاً‮ ‬حتى لا‮ ‬يغتربهم البسطاء والسذج من الناس ولا‮ ‬ينخدع بهم طلاب العلم،‮ ‬فها هو صلى الله عليه وسلم‮ ‬يحذر اصحابه من اول الفرق ظهوراً‮ ‬وهي‮ »‬فرقة الخوارج‮« ‬يقول للصحابة رضي‮ ‬الله عنهم‮: »‬يخرج قوم من امتي،‮ ‬يقرأون القرآن،‮ ‬ليس قرأتكم إلى قراءتهم بشيء،‮ ‬ولا صلاتكم الى صلاتهم بشيء،‮ ‬ولا صيامكم الى صيامهم بشيء،‮ ‬يقرأون القرآن ويحسبون انه لهم،‮ ‬وهو عليهم‮« ‬رواه مسلم عن علي‮ ‬رضي‮ ‬الله عنه،‮ ‬وفي‮ ‬رواية للبخاري‮ ‬ومسلم عن علي‮ ‬رضي‮ ‬الله عنه ايضاً‮ ‬زيادة‮: »‬يقرأون القرآن لا‮ ‬يجاوز حناجرهم،‮ ‬يمرقون من الدين كما‮ ‬يمرق السهم من الرمية‮« ‬وعن مسلم عن علي‮ ‬رضي‮ ‬الله عنه ايضاً‮ ‬سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‮ ‬يقول‮ »‬يخرج قوم من امتي‮ ‬يقرأون القرآن ليس قراءتكم الى قراءتهم بشيء،‮ ‬ولا صلاتكم الى صلاتهم بشيء ولا صيامكم الى صيامهم بشيء‮ ‬يقرأون القرآن‮ ‬يحسبون انه لهم وهو عليهم،‮ ‬لا تجاوز صلاتهم تراقيهم‮ ‬يمرقون من الإسلام كما‮ ‬يمرق السهم من الرمية‮«.‬
اقول لاصحاب مقالة‮ »‬فقه الموازنات‮« ‬فهل بعد بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان في‮ ‬بطلان هذه الدعوة،‮ ‬حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من محاسن اهل البدع اولا حتى لا‮ ‬يغتر بها مغتر،‮ ‬فحذر من حسن صلاتهم وحسن عبادتهم وتلاوتهم للقرآن وحذر من دوام صيامهم وقيامهم الليل،‮ ‬بل بين صلى الله عليه وسلم ان من‮ ‬يراهم من صحابته‮ ‬يحقر عبادته امام عبادتهم وقراءته امام قراءتهم وصومه وصلاته وقيامه امام اجتهاد هؤلاء الخوارج المبتدعة،‮ ‬فهل بعد هذا البيان‮ ‬يبقى لدعاة‮ »‬فقه الموازنات‮« ‬احتجاج بذكر المحاسن،‮ ‬انه‮ ‬ينبغي‮ ‬على دعاة الحق ان‮ ‬يحذروا اولاً‮ ‬من محاسن هؤلاء لانها هي‮ ‬مكمن الخطورة وهي‮ ‬محل الاغترار والانخداع بهم،‮ ‬واذا كنا اليوم لا نرى من هؤلاء المبتدعة تلك العبادة والقراءة للقرآن وذلك الصيام والقيام،‮ ‬فلا‮ ‬ينبغي‮ ‬لنا ان نغتر بانتشارهم في‮ ‬وسائل الاعلام وبخاصة المحطات الفضائية المعروفة بخطها الفكري‮ ‬المنحرف وهي‮ ‬لا تخفى على من له ادنى بصيرة،‮ ‬ولا‮ ‬ينبغي‮ ‬لنا ان نغتر بحصول بعضهم على الشهادات العليا،‮ ‬ولا نغتر بعباراتهم المعسولة بالاحاديث النبوية والآيات القرآنية فقد قال صلى الله عليه وسلم واصفاً‮ ‬ومحذراً‮ ‬من محاسنهم وعدَّ‮ ‬منها انهم‮ »‬يقولون من قول خير البرية‮« ‬لقد فصل وبين ووضح صلى الله عليه وسلم صفات هؤلاء محذراً‮ ‬أمته منهم ذاكراً‮ ‬محاسنهم‮.‬
وبذلك تبطل مقولة‮ »‬فقه الموازنات بذكر الحسنات مع السيئات‮« ‬تلميعاً‮ ‬لاهل البدع والزيغ‮ ‬والضلال وخداعاً‮ ‬للناس بهم حتى‮ ‬يكونوا مقبولين لدى الجميع‮.‬
واختم بمقالة الامام الآجــــري‮ ‬رحمه الله اذ‮ ‬يقول في‮ ‬كتابه‮ »‬الشريعة‮«: ‬فــــلا‮ ‬ينبغي‮ ‬لمن رأى اجتهاداً‮ ‬خارجياً‮ ‬قــد خرج على امــــام،‮ ‬عدلاً‮ ‬كان الامام او جائراً،‮ ‬فخرج وجمع جماعة وسل سيفه واستحل قتال المسلمين،‮ ‬فلا‮ ‬ينبغي‮ ‬له ان‮ ‬يغتر بقراءته للقرآن ولا بطول قيامه في‮ ‬الصلاة،‮ ‬ولا بدوام صيامه وتحسين الفاظه في‮ ‬العلم اذا كان مذهبه مذهب الخوارج‮.‬

د.سليمان معرفي

أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمن بأن‮ ‬يكون حازما حذرا لا‮ ‬يؤتى من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد مرة‮.‬
وهذا المعنى مأخوذ من حديث البخاري‮ ‬ومسلم وأبي‮ ‬داود وابن ماجة واحمد عن ابي‮ ‬هريرة رضي‮ ‬الله عنه قال‮: ‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‮: »‬لا‮ ‬يلدغ‮ ‬المؤمن من جحر مرتين‮« ‬وأكثر أهل العلم على أنه لا‮ ‬ينبغي‮ ‬للمؤمن اذا نكب من وجه ان‮ ‬يعود اليه،‮ ‬ونقل ابن حجر في‮ ‬الفتح قول بعض أهل العلم أنه ليس من شيمة المؤمن الحازم الذي‮ ‬يغضب لله أن‮ ‬ينخدع من الغادر المتمرد فلا‮ ‬يستعمل الحِلْم في‮ ‬حقه،‮ ‬بل‮ ‬ينتقم منه ومن هذا قول أم المؤمنين عائشة رضي‮ ‬الله عنها عن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮: »‬ما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها‮« ‬ويقول ابن حجر معلقا على ما سبق من كلام‮: »‬فيستفاد من هذا ان الحلم ليس محمودا مطلقا،‮ ‬كما ان الجود ليس محمودا مطلقا‮«.‬
أقول هذا لكل مؤمن موحد على طريقة السلف رضي‮ ‬الله عنهم،‮ ‬وأتساءل في‮ ‬نفس الوقت‮: ‬هل‮ ‬يجوز لمؤمن أن‮ ‬يسمح لنفسه بأن‮ ‬يلدغ‮ ‬من جحر واحد مرات ومرات،‮ ‬مرة بالخيانة للعهد،‮ ‬ومرة بالغدر المقيت،‮ ‬ومرة بإدارة الظهر والتجاهل،‮ ‬ومرة بالكذب الصريح؟ وأتساءل أيضا‮: ‬هل تخدش هذه الغفلة في‮ ‬إيمانه؟‮! ‬فيوصف نتيجة لذلك بالسذاجة والغفلة،‮ ‬خاصة بعد ان قرأنا كلام العلماء في‮ ‬شرحهم للحديث ومفهومه،‮ ‬ان الحلم والصبر وحسن الظن لا تحمد في‮ ‬كل الأوقات بل تذم أحيانا،‮ ‬وينبغي‮ ‬على المؤمن أن‮ ‬يكون فطنا لذلك فيعرف متى‮ ‬يحلم ومتى‮ ‬يترك الحلم،‮ ‬ومتى‮ ‬يصبر ومتى‮ ‬يترك الصبر،‮ ‬ومتى‮ ‬يحسن الظن ومتى‮ ‬يتركه‮. ‬ان السلف معروف عنهم الذكاء والفطنة والحذر والكياسة،‮ ‬فكيف‮ ‬يثقون بخصم‮ ‬غادر لا عهد له،‮ ‬وقد مارس‮ ‬غدره ونقض عهده معهم مرات ومرات،‮ ‬ما هي‮ ‬الحاجة؟ وما هي‮ ‬الضرورة التي‮ ‬تلجئهم لذلك؟ أين هم من هذا الحديث‮ »‬لا‮ ‬يلدغ‮ ‬المؤمن من جحر مرتين‮«‬،‮ ‬أعود فأقول متسائلا‮: ‬لو لدغ‮ ‬المؤمن من جحر واحد مرتين وثلاث وعشرات هل‮ ‬يخدش هذا في‮ ‬ايمانه ام لا؟‮!‬
والحديث كما عليه اكثر اهل العلم انه خبر بمعنى الأمر‮: ‬يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمن أن لا‮ ‬يعود لهذا الجحر مرتين فيكفي‮ ‬المرة الأولى،‮ ‬فكيف بمن‮ ‬يعود لهذا الجحر مرات ومرات؟‮!‬
الجواب على رأي‮ ‬أكثر اهل العلم انه آثم،‮ ‬لأنه خالف النبي‮ ‬أمر صلى الله عليه وسلم والايام بيننا،‮ ‬والتجارب السابقة مع هذا الجحر تشهد لما نقول،‮ ‬وما هي‮ ‬إلا أيام حتى تتضح صورة ما نقول،‮ ‬ويرجع الغافلون الواضعون لإحسان الظن في‮ ‬غير‮  ‬موضعه،‮ ‬والذين‮ ‬يحلمون حيث لا‮ ‬يَحْسُن الحِلْم،‮ ‬يرجعون بخفي‮ ‬حنين‮ ‬يلعقون أصابعهم ضاربين كفا بكف فيمن لا‮ ‬يرقبون في‮ ‬سلفي‮ ‬إلا ولا ذمة،‮ ‬فقاتل الله السياسة‮.‬