جريدة الشاهد اليومية

مزيد اليوسف

مزيد اليوسف

الإثنين, 18 يونيو 2012

إلا الحماقة أعيت من يداويها

مخطئ من يقول بأن الأحكام القضائية تسيرها الاهواء، أو أنها يجب ان تصدر على ما تشتهي أنفس الخصوم، انما الأحكام تنطق بالحق، بعد تمحيص للأدلة والبراهين المطروحة على بساط البحث، ويعقُبها انزالٌ لنصوص القانون وأحكامه على وقائع القضية المعروضة، ثم ينتهي الامر الى قضاءٍ يقبله ضمير القاضي ويطمئن اليه صاحب الكلمة الفصل في المسألة.
وان من أكبر الحماقات التي يقع فيها الخصوم، عندما يقذفون حكماً قضائياً لم يصادف هواهم خارج أوراق الطعن عليه، خصوصاً عندما يكون باب الطعن مفتوحاً على مصراعيه سواءً بالاستئناف أو التمييز، فلا عذر لمن يخدش عدالة ونزاهة حكمٌ قضائي بانتقاده على الملأ أو من خلال تصريحات صحافية منفعلة، في الوقت الذي أتاح له القانون حق استئنافه أو تمييزه أمام محكمة أعلى وظيفتها مراجعة ومراقبة أسباب الحكم المطعون عليه، فان رأت في اجتهاده انحرافاً عن جادة الصواب، كان لها سلطة تعديله الى ما يوافق عين الحق.
تصريحات مقززة لم يتورع عنها بعض نواب مجلس الأمة، في مقام تعليقهم على الحكم الصادر بتبرئة المتهمين بالاعتداء على النائب عبيد الوسمي في ندوة الحربش، وكان أكثرها تنفيراً تلك الصادرة عن أحد خصوم القضية، عندما قال » هذا ليس حكما، وباختصار لن أقبل بقضاء يصدر قرارات بهذا الشكل« والمحزن أن من نطق بها انما هو بمركز المُعلم للأجيال أصول القانون ومبادئه قبل أن يكون ممثلاً للناخبين من خلفه، وان من أهم تلك الأصول احترام الأحكام القضائية والنأي عن تجريحها خارج اطار التفنيد القانوني الفني لأسبابها، بل إن صاحبنا نائب الأمة قد ضرب بأهم المبادئ الدستورية عرض الحائط، ونصب نفسه والياً على السلطة القضائية وتوعدها ان هي لم ترضخ لأوامره وتصحح الحكم الصادر الى ما يوافق هواه، وذلك عندما قال »أقول مباشرة لمشعل الأحمد وفيصل المرشد وضرار العسعوسي وتابعيهم، أنصحكم بايجاد حل سريع وعادل تصحيحاً لوضع خاطئ وخطر جدا«
اليوم صار القضاء في نظر أصحاب الهوى، مسيراً وغير عادل، بينما بالأمس كان هذا القضاء مفخرة يتغنون بأحكامه على حساباتهم في »تويتر« فعندما صدر الحكم بتبرئة النائب عبيد الوسمي من التهم التي كانت موجهة اليه بسبب أحداث ديوان الحربش، سارع صاحبنا الى وضع صورة كاملة للحكم على صفحته في »تويتر« لكنه اليوم نسي أن من عدل في قضيته قد عدل أيضاً في قضية خصومه ضباط الداخلية وأفرادها، فالحكم الصادر في قضية النائب عبيد الوسمي والذي برأ المتهم »عبيد محمد عبدالله المطيري« وقتها من خمس تهم كانت موجهة اليه، والتي كان من بينها اتهامات خطيرة تمس أمن الدولة وكيانها، كالطعن علناً بحقوق وسلطات سمو الأمير، وتحريض رجال الامن على التمرد، واذاعة أخبار وأنباء كاذبة خارج البلاد حول الأوضاع الداخلية لدولة الكويت، الى باقي الاتهامات، رأينا جميعاً كيف أن هذا الحكم قد صدر بعيداً عن تأثير السلطة التنفيذية عليه، فساق حيثيات وأسباب البراءة على أساس فني صرف تعضده الأدلة ونصوص القانون، بل إنه لم يعتد بأمر حضرة صاحب السمو أمير البلاد بسحب القضية ضد الدكتور عبيد الوسمي، وذلك اعمالاً منه لنص المادة 75 من الدستور، واعتبر بأن هذا التنازل ليس له من ثمة أثر على سير اجراءات القضية، ومعنى هذا ان المحكمة قد قضت ببراءة المتهم »عبيد محمد المطيري« على اساس من أحكام القانون والعدالة بعيداً عن أي تأثير خارجي، حتى لو كان هذا التأثير بأمر من صاحب السمو أمير البلاد المفدى، فهل من بعد هذا يحق لكائن من كان أن يطعن في عدالة ونزاهة القضاء الكويتي الا الجاهل أو الأحمق؟

الإثنين, 04 يونيو 2012

هل تآمر الشعبي في الداو؟

إن تحليل ملابسات قضية »الداو« اذا ما بُني على فكرة المؤامرة، وهي الاكذوبة والخدعة التي طالما استعملها أمراء التكتل الشعبي، سيقودنا الى احتمال شبه حقيقي وسيناريو غير مستبعد بأن الغاء الصفقة كان عبارة عن مخطط خبيث، رسمته الأيادي التي قادت ودفعت باتجاه عملية الالغاء، في الوقت الذي تعلم فيه علم اليقين بوجود شرط جزائي يُلزم دولة الكويت بتعويض شركة الداو كميكال بمبلغ ملياري دولار أميركي ان هي تراجعت عن اتمام الشراكة، فمبلغ المليارين وهو قيمة الشرط الجزائي يشكل فائدة وربح لشركة الداو كميكال، نرى بأنها قد تحصلت عليه بشربة سائغة ومن دون أن تكلف نفسها نفقات الدخول في شراكة مع دولة الكويت.
يعزز هذا التحليل غياب كل مبرر أو حجة تبيح لأمراء التكتل الشعبي وعلى رأسهم رئيس مجلس الأمة الحالي أحمد السعدون لمعارضة الصفقة والتهديد بالويلات في حال مضت فيها الحكومة وقت أن همت بها دولة الكويت بقيادة »كتلة حدس« والذي نتج عنه تراجع الحكومة الكويتية ونكوصها عن تنفيذ التزاماتها قبل شركة الداو كيميكال تفاديا لأزمة سياسية، ليتها وقعت بدلاً من سلخ أموال الشعب بمبلغ التعويض المحكوم به لصالح الشركة.
أذكر أنه أثناء تداول صفقة »الداو« قبل ما يزيد على عامين مضيا، التقيت في احدى الندوات المغلقة بمجموعة من العاملين الكبار بشركة البتروكيماويات، الذين جاءوا وقتها يعرضون أسباب حربهم على شراكة دولة الكويت مع شركة الداو كيميكال، وساقوا حججا كثيرة لم يصمد أحدها في وجه التفنيدات والردود القاتلة المبنية على أساس علمي وتجاري قائم على تحكيم العقل، فقد كان من ضمن ذرائعهم القول بأن دولة الكويت سوف تشتري سهم شركة الداو كيميكال بمبلغ يزيد عن قيمته التي يتداول بها في البورصات العالمية وقت ذلك، فكان الرد على هذه الحجة بأن جميع الصفقات الضخمة المتعلقة بشراء كميات كبيرة من الاسهم تتم بمبالغ أكبر من التي تتداول بها فعلياً في البورصة، وهذه حقيقة يعلمها أصغر متداول في سوق الاسهم، ذلك أن أسعار الأسهم في البورصات لا تعبر عن القيمة الحقيقية للسهم وانما يحكم هذه القيمة مستقبل الشركة ومشاريعها.
وعندما عَرجوا على الحجة الثانية كان من السهل جداً نسفها، فقالوا بأن شركة الداو كيميكال قيمت أصولها المتهالكة التي ستدخل بها كحصة عينية في الشراكة مع دولة الكويت بأكثر من قيمتها الحقيقية، وهنا سألتهم سؤالاً عجزوا عن اجابته عندما قلت لهم هل تملكون أرقاماً موثقة للقيمة الحقيقية لتلك الأصول؟ فكانت اجابة البعض منهم الصمت والنفي من البعض الآخر، اذن كيف لكم يا من جئتم تحاربون الصفقة أن تقرروا بأن شركة الداو كيميكال قد قيمت أصولها بأكثر من قيمتها الفعلية في الوقت الذي لا تملكون فيه أدنى معرفة بالقيمة السوقية لتلك الأصول؟
وفي نهاية الجولة وجهت لهؤلاء المناهضين للصفقة ضربة قاضية عندما سألتهم عما اذا كانوا على يقين بأن الصفقة ان تمت ستكون ولا ريب خاسرة بالنسبة لدولة الكويت، فكان الاجابة منهم بأنهم لا يستطيعون الجزم بالخسارة، وانما هي توقعات منهم بل اضغاث أحلام لا سند لها يعززها، وهذا ما وقع بالفعل، فبعد أن ألغت الحكومة الكويتية صفقة الداو، رأينا كيف ارتفعت اسهم شركة الداو كيميكال في البورصات العالمية لأكثر من الضعف، بعد تحسن المناخ الاقتصادي عقب كارثة 2008 وهو ما كان سيشكل ربحاً لدولة الكويت لو أنها اتمت الشراكة مع الشركة.
وللعلم فإن مؤسسة البترول كانت قد أجرت أكثر من ألف اجتماع قبل أن ترفع توصياتها للحكومة بالدخول في الشراكة، وكانت نتيجة الاجتماعات كلها ايجابية لصالح اتمام الصفقة، وهذا ما جاء على لسان عضو في مجلس ادارة المؤسسة كان حاضر مجريات الندوة، فهل تظنون مثلي من بعد عرض ما سبق بوجود مؤامرة أدت الى الغاء الصفقة بهدف تحقيق ربح بحكم قضائي بلغ ملياري دولار اميركي؟

الإثنين, 14 مايو 2012

الناخبون هم المخطئون

إن كان استجواب عضو مجلس الأمة، المقدام حامي حمى سور الكويت حضرة السيد المحترم محمد الجويهل قد وصفته احدى الصحف المحلية بالأتفه، فان الاتفه منه اولئك الذين رخصوا اصواتهم لنائب خدع الناس بقضية فاسدة، واستغل سذاجتهم واستعملهم مطية تحمله الى داخل أسوار مجلس الامة.
كم انشغلنا بقضية المزدوجين »الطراثيث« منذ اثارتها على شاشة قناة السور بلسان مقدم برنامج »السرايات« سابقاً ونائب مجلس الامة حالياً، بعد أن أوهم الجويهل الشعب الكويتي بعظم القضية وجللها، وصدق نبئها، ودلل على صحة مزاعمه بأوراق لوح بها اكثر من مرة أمام عدسة برنامجه، فتأثر كثير من الناس بقضيته وصدقوا رسالته، وصاروا يرون فيه الفارس القادم من بعيد للذود عن حمى سور الكويت من الدخلاء »الطراثيث«، وهو ما دعاهم لأن يقدموه نائباً عنهم ليقود حربهم العرقية ضد المتطفلين وليطهر الكويت من الخونة، وعندما حانت ساعة النزال، فر البطل المغوار وترك منصة استجوابه خاوية على أعقابها، بعد مرافعة ركيكة وصفت بالاتفه، لم يطل فيها حديث صاحبنا أكثر من خمس دقائق من أصل تسعين دقيقه كانت مخصصة له كي يكشف للشعب كافة عن حقيقة ملابسات قضيته الوهمية التي طالما تشدق بها ودندن على وترها الحماسي طيلة المدة السابقة.
لقد ضحكت كثيراً من قول البعض أثناء تبادل الحديث معهم حول استجواب الجويهل لوزير الداخلية، فأكثر ما سمعت سذاجة قولهم بأن أوامر فوقية صدرت أثناء الاستجواب بتأشيرة اصبع من مسؤول كبير هي التي اثنت الجويهل عن الاسترسال في كشف حقائق يشيب لها رأس الولدان - على حد وصفهم - وأنه من الواجب قراءة ما بين سطور استجواب الجويهل، فهو يحمل الكثير من الاسرار الخفية، التي لا يعلم مكنونها الا عالم الغيب والشهادة سبحانه، فكان ردي عليهم بأنكم يا سادة تقررون أولاً بهذا القول بأن الجويهل ما هو الا دمية مسيرة بيد المعازيب، فان كان الحال كذلك فالأصل والمنطق يقول بأن يكون استجوابه ايضاً مرسوماً ومعداً له مسبقاً من قبل هؤلاء المعازيب قبل اعتلائه للمنصة، فأي اعداد هذا لاستجواب ساذج محطم الاسنان، فان كان هذا هو اعداد المعازيب، فتعساً لهؤلاء المعازيب السخفاء رقيقي العقل معدومي الحيلة، ثم ان الغاية من القراءة بين السطور لأي أمر انما هي لهدف تحليل مسألة ما من أجل الوصول بهذا التحليل لاستنتاج محتمل تقود اليه القراءة بين السطور، فأي استنتاج يمكن أن نخرج به في قراءتنا لما بين سطور استجواب الجويهل! انه لا شيء ولا شيء غير لا شيء، فلا هو ضرب الأغلبية البرلمانية الحالية، ولم يكن بالقوة التي تؤهله لحل البرلمان، والحق أنني حاولت كثيراً لأن اصل الى استنتاج ما من خلال قراءة ملابسات الاستجواب مراراً وتكراراً، الا أن عقلي قد عجز عن الوصول لنتيجة سوى أنه كان تعيساً بامتياز.
وبعيداً عن الخيال السقيم الذي تعيشه بعض العقول الساذجة الرافضة لحقيقة أن استجواب الجويهل كان الاتفه من بين جميع استجوابات مجلس الأمة على مدى حياة المجلس، فان ما لا مراء فيه بان الجويهل قد أخزى ناخبيه الذين حملوه على أكتاف أصواتهم، وأخزى كل من آمن بقضيته وصدق برسالته، ورأى فيه فارساً لحمى السور الكويتي، بعد أن أهدر فرصته الذهبية باستجواب كان الأسخف.
لا أعتب على اداء النائب الجويهل، فلم أكن يوماً اتوقع منه الكثير ولم يفاجئني ما آل اليه استجوابه، وسبق لي أن انتقدت كثيراً من تصرفاته بمقالات عدة، لكن العتب على جمهور الناخبين فهم مفتاح ولوج النواب لبيت الشعب، و »كما تكونوا يولى عليكم«.

الإثنين, 07 مايو 2012

قانون الضحك على اللحى

لم أشأ تعجل التعليق على الاقتراح بقانون بتعديل بعض مواد قانون الجزاء بهدف تغليظ عقوبة المساس بالذات الالهية والأنبياء والرسل، تريثاً مني لما ستسفر عنه مناقشات مجلس الامة لهذا المقترح، والسبب الآخر الذي أثناني عن الخوض في المسألة منذ يوم اثارتها هو حرجي من الحديث في مسألة دينية حساسة من الراجح أن يؤول فيها الجاهل قولي على غير مقصده، أما وأن مجلس الأمة قد طوى بالأمس هذه الصفحة وحسم رأيه من الاقتراح، وانتهى به المطاف الى صيغه نهائية جاءت مُفرغة في مادتين، نصت الاولى على أن »يعاقب بالاعدام كل مسلم طعن علنا، بالذات الالهية او القرآن الكريم او الانبياء والرسل او طعن في عرض الرسول | او في عرض ازواجه اذا رفض التوبة وأصر على فعله بعد استتابة القاضي له وجوبا ويعاقب بالعقوبة ذاتها من ادعى النبوة«، أما المادة الثانية فقد نصت على انه »يجوز للمحكمة، النزول بالعقوبة المنصوص عليها في المادة السابقة الى الحبس المؤقت، اذا اعلن الجاني امامها بارادته الحرة عن ندمه وأسفه عن جرمه وتعهد بالتوبة عنه شفاهة وكتابة وبعدم العودة الى ارتكابه مستقبلا«.
كما ان حرجي من الخوض في المسألة قد بددته احدى الصحف عندما باغتتني الاسبوع الماضي بسؤال عن رأيي في المسألة، ومن طبعي غالباً الاجابة عن الاسئلة الحرجة والمثيرة متى دُفعت اليها.
أما بعد.. فلن أقدم لرأيي في الاقتراح بتأكيد محبتي وغيرتي على المصطفى حبيب الرحمن صلى الله عليه وسلم، فهي عقيدة راسخة وشعور متأصل عند كل مسلم لا يحتاج الى توكيد، ولن ينازعني فيه أو يشكك بصدقه الا كل أحمق أرعن، وانما أقول بأن الصيغة النهائية التي توصل اليها مجلس الامة لا تعدو عن كونها كمامة لسد أفواه الناخبين المطالبين بدم (حمد النقي) المتهم بالاساءة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، والخاضع للمحاكمة حالياً ولم يفصل القضاء في أمر اتهامه بعد.
فالقانون عبارة عن اكذوبة وضحك على الذقون اذ جاء مُفرغاً تماماً ومحروماً من أهم عنصر فيه ألا وهو عنصر الردع والزجر، وجاء هذا التفريغ على يد عبارة » اذا رفض التوبة « الواردة في متن الاقتراح، فهذه العبارة تفح الباب على مصراعيه أمام كل مسيء للخالق عز وجل أو لأحد أنبيائه ورسله بالتملص بيسر من العقاب المقرر في الاقتراح والذي يصل الى حد الاعدام أو السجن المؤبد بمجرد اعلان توبته بين يدي القاضي اثناء محاكمته، وبالطبع لن يتورع أبداً من تسول له نفسه فيتجرأ على العزيز المقتدر جل علاه أو على نبيه صلى الله عليه وسلم عن اعلان التوبة كذباً لمجرد النجاة برقبته من طوق المشنقة والهرب بنفسه من سجن المؤبد.
وبالتالي فالقانون بحسب صياغته المقترحة مجرد حبرٌ على ورق، بل أنه أضعف وأوهن من القوانين السابقة عليه، فالاستتابة المنصوص عليها في المقترح الحالي لا وجود لها في القوانين الواردة في قانون الجزاء وقانون المرئي والمسموع والتي تعاقب على ذات الفعل، وبينما يتمتع الجاني في المقترح الحالي بفرصة الفرار من العقاب بمجرد اعلان التوبة وان لم يؤمن بها قلبه، فان هذه الرخصة لا وجود لها في تلك القوانين، وهو ما يقودنا لنتيجة مفادها أن هذا التعديل ما هو الا ردة فعل متسرعة ارضاءً لرغبة ناخبين ساخطين، انتهت بالنواب لصياغة ركيكة لا تحقق الغاية من الاقتراح بقانون، بينما الأصل في صياغة القوانين التأني والاحكام بعد دراسة مستفيضة، لتعلقها بحياة البشر ولكونها عنوان تقدم الشعوب، وكلما كانت القوانين رصينة كلما استقرت معها أركان الدولة المدنية.

الإثنين, 30 أبريل 2012

الحرامية أنواع

الحرامية أنواع، منهم من يمد يده في جيبك ويسلبك مالك، ومنهم من يسطو على بيتك ويستولى على مقتنياتك، لكن هناك نوعا آخر من الحرامية أشد فتكاً وأكثر إيلاماً وهو من يسرق منك أحلامك وطموحاتك، إنه المسؤول الفاسد عبد الأهواء وخادم الواسطة، يُعين الشخص غير المناسب متى كان صاحب حظوة، ويحرم الكفاءة المتخصص متى كان قليل الحيلة، وتراه يكافئ بالهوى والميل المُقصر الكسول بالاحسان والإغداق بالتقادير والترقيات، ويتجاهل المسكين ظلماً مهما كان اجتهاده ومهما حسُن صنيعه، فهو يرى في المنصب مِلكاً وتشريفاً، ويتصرف في ادارته كما يتصرف السيد في عزبته.
هذا النوع من الحرامية خبيث نتن لأنه يسرق من أبناء الوطن المخلصين سنوات دراستهم وليالي سهرهم التي طالبت بهم طلباً للعلا ويسرق منهم آمالهم بمستقبل مشرق يبنون فيه أوطانهم، والأخطر أنه يسرق من الوطن حقه في بر أبنائه الأوفياء له بعد أن أحسن تعليمهم.
فكم من خريج متخصص عمل في إدارة لا تمت لشهادته ودراسته بصلة، لأنه لم يجد مقعداً في المكان الذي من المفترض أن يكون فيه، بعد أن استولى على شواغره موظفين آخرين غيره أقل فضلاً منه، كدستهم فيه يد الواسطة بمساعدة مسؤول ظالم قبل واسطتهم وأسكنهم إدارته، بينما هم أبعد ما يكونون عن التخصص وحاجة العمل.
وكم من موظف مثابر ظلم بتقرير كفاءته السنوية، وحرفت درجات تقييم أدائه، لحرمانه من ترقية آثرها المسؤول لموظف آخر لا يستحقها لكنه مشفوع له بالقرب والمحبة، وكم من موظف جاد دؤوب عاقبه مسؤوله بالنقل والإقصاء إلى إدارات أخرى لا تستوعب اختصاصه لمجرد خلاف معه في الرأي، أو لكونه لا يتقن فن التملق للمسؤول صاحب الجلالة.
وإذا كانت المحاكم الجنائية قد نُصبت للقصاص من سراق الأموال، فإن المحاكم الادارية هي الحصن الحصين للموظفين من ظلم المسؤولين سراق الأحلام والأوطان، وقد تطور هذا القضاء وزادت دوائره إلى اكثر من اثنتي عشرة دائرة بعد ان كانت واحدة بفضل تطور وزيادة ثقافة الموظفين أنفسهم، فهم ما عادوا يسكتون على بطش الإدارة بحقوقهم.
والحق أنه قد يعيب القضاء الاداري بطء إجراءاته وطول نفس جلساته، خصوصاً مع استهتار الإدارة وتأخرها في تقديم دفاعها وردودها على دعوى الموظف ضدها، لكن لكل شيء ثمنه، وثمن القصاص من جور مسؤول ظالم سيكون غالياً وثميناً فهو مدفوع من عمر الموظف وأيام كبده حتى يعيد القضاء له الحق المسلوب.
وإذ كان الشيء بالشيء يذكر، فالحديث عن طول إجراءات القضاء الاداري ذكرني بموظف لم يتمكن من الحصول على حكم بترقيته التي حرم منها ظلماً وعدواناً إلا بعد أن بلغ السن القانوني للتقاعد، وبعد أن ترك هو الوظيفة طواعيةً وزهداً فيها، وقد كان طول سنوات عمله من المتميزين المثابرين، لكن ظلم مسؤوله له أحبط عزيمته وهمته وأطفأ حماسه، وفي النهاية يكون الوطن هو الخاسر الأكبر الذي يفقد يوماً بعد يوم المزيد من الكفاءات المخلصة بسبب جور سراق الاحلام والأوطان بموظفيهم.

الإثنين, 23 أبريل 2012

قصاص الجلحاء من القرناء

المتابع لتصريحات النواب يلحظ تنافسا حميما بين بعضهم بعضا على الظهور الإعلامي، وتسابقا عنيفا على تصدر حديث الناس في الدواوين، واقتتالا دمويا على سلب الأضواء وجر البساط من تحت أقدام الآخرين، سلاحهم قضايا مشبوهة وأنباء حدس الظن والتخمين يثيرونها على صفحات جرائد يومية تتلقف كل ما هو مثير، أو في ندوات صاخبة، يستغلونها وسيلة لتحقيق الشهرة والمزيد من الشعبية، والأخطر من هذا وذاك عندما تكون أنباؤهم تلك لتحقيق أجندات خاصة، والمؤسف أن بضاعتهم تلقى رواجاً عند جمهور خصب صالح لأن يزرع في فؤاده كل غث مثير للفتنة، ويهضم كل رديء يقال له من دون أن يكلف نفسه عناء التثبت والتحقق من صدق الخبر وتبيّن حقيقته ومكنونه، ذلك أنه جمهور يعشق الغيبة والنميمة، ويجد فيها تسلية تملأ عليه وقت فراغه، وتمنحه مادة يتشدق بها ويحرك بها لسانه وكأنه بو العريف الملم بخبايا الأسرار العامة في الدولة.
خلق ذميم طغى على المجتمع الكويتي في الآونة الأخيرة، وبات سمة من سماته تهدد بهلاكه، فلا أشر وأخطر على تماسك المجتمعات واستقرارها من الفتن والإشاعات.
بحسب القول الراجح فإن قول الحق عز وجل: <ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة> قد نزل في صحابي اسمه »الوليد بن عقبة بن أبي معيط« حين بعثه النبي | على صدقات »بني المصطلق«، وعلى الرغم من أن »الوليد« لم يتعمد الكذب، وعلى الرغم من سيرته المحمودة، إذ اختاره نبي الأمة عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ليكون جابي صدقات »بني المصطلق«، ومن بعده أبو بكر الصديق اختاره ليكون مسؤولا عن صدقات »قضاعة« وقائداً في الجيش القادم لشرق الأردن، وكان أميراً على بعض المناطق في شمال الشام زمن »عمر بن الخطاب«، ووالياً على الكوفة زمن »عثمان بن عفان«، إلا أنه ومع هذا كله فقد وصفه الخالق عز وجل في الآية المذكورة - إن صدق سبب نزولها فيه - بالفاسق، جزاءً له على نقله لنبأ إلى النبي |، تبين فيما بعد عدم صحته، وتتلخص قصة »الوليد بن عقبة« في أن رسول الله |، قد بعثه إلى »بني المصطلق«، ليجبي صدقاتهم، وكان بين »الوليد« وبين »بني المصطلق« عداوة أيام الجاهلية، وعندما علم »بني المصطلق« بقدوم »الوليد بن عقبة« إليهم خرجواً يستقبلونه تعظيما للرسول |، وهنا ظن »الوليد« بأن »بني المصطلق« قد خرجوا يريدون قتله، فخافهم وهابهم، ورجع إلى رسول الله |، وقال له إن »بني المصطلق« قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله |، وهم أن يغزوهم، لكنه تريث بحكمته |، وبعث »خالد بن الوليد« ليتحرى أمرهم، وقال له انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفار، ففعل ذلك »خالد« وعندما دخل ديارهم سمع أذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلا الطاعة والخير، فانصرف إلى رسول الله |، وأخبره الخبر، فأنزل الله تعالى قوله الحكيم: <يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين> يعني الوليد بن عقبة.
هذا هو قول الحق عز وجل في »الوليد بن عقبة« وهو صحابي له سيرته، فما بالكم في وصف نوابنا المبجلين من أمثال فيصل المسلم ونبأ شيكات الريس، ومسلم البراك ونبأ الإيداعات المليونية، وأخيراً د.عبدالله الطريجي ونبأ الشبكة التجسسية، وهي كلها أنباء زعزعت استقرار المجتمع، في حين عجز أصحابها عن إثبات شيء منها على وجه اليقين حتى يومنا هذا، ولنعلم بأن رب العزة بعدله يقتص حتى للشاة الجلحاء التي لا قرن لها من الشاة القرناء التي نطحتها.

الإثنين, 16 أبريل 2012

تشريعات التكسب الشعبي

كثيرون هم المسيرون بالعاطفة فقط، وترسم طريق تصرفاتهم من دون تعقل وتدبر في بواطن الأمور، وهؤلاء دائماً ما يكونون فريسة للمتصيدين ولقمة سائغة بفم المنافقين والدجالين، فبالعاطفة يمكن أن تدفع بإنسان لارتكاب حماقات ما كان ليأتيها أبداً لو أنه غلب عقله وتدبر أمره، وأبشع صور استغلال العاطفة عندما يكون الدين وقودها والعقيدة محركها، فباسم الدين وخدمةً للعقيدة قتل الانتحاريون انفسهم في تفجيراتهم، وزهقوا معهم أرواح أطفال ونساء وكهول أبرياء، طمعاً في جنات خلد وحور عين وعدهم بها مصاصو دماء البشر الذين استطاعوا بفضل استغلال عقيدة هؤلاء السفاء أن يحولوهم إلى أدوات قتل مُسخرة بأيديهم لتحقيق مآربهم الخبيثة.
وأذكر كيف كنا قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أي قبل تغيُر لغة الخطاب الديني في المساجد من اللغة المتشنجة إلى اللغة الهادئة، كيف كنا نخرج من بيوت الرحمن عز وجل عقب انفضاض صلاة الجمعة، فنرى أغلب الناس من حولنا زناديق وفساق وأعداء للأمة الاسلامية يستحقون القتل، على إثر خطبة مدوية مليئة بالصراخ، شحنت المصلين وسممت عقولهم المستسلمة لكلام خطيب المسجد، بأفكار بغيضة بعيدة عن سماحة الاسلام وحلمه، وعن سنة نبي الأمة عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
في حلقة من حلقات مسلسل »طاش ما طاش« صور الممثل والفنان ناصر القصبي الدجل الديني بطريقة ساخرة أصابت الهدف في الصميم، وعبرت عن الفكرة بصورة مبسطة للمشاهد العادي، وبدأت حكاية حلقته عندما أصابه طفح جلدي في وجنتيه، فنصحه الطبيب المعالج بإطلاق لحيته، وعندما فعل، تفاجأ باحترام الناس له وتقديمه إلى صدور المجالس، بعد أن كان منبوذاً لا يقيمون له وزناً بينهم، فاستحسن الأمر وزاد من اسبال لحيته وتقصير ثوبه، وصار في نظر من حوله شيخ دين مُبجلاً، عندها استغل حسن ظن الناس به واحترامهم له في ترويج بضاعة فاسدة عبارة عن دهن عود مخلوط بزيت السيارات، وبالفعل راجت بضاعته بفضل لحيته وقصر ثوبه، رغم فسادها وشرها، وبارت بضاعة جاره حليق اللحية رغم طيبها.
ما اكثرهم الذين يشبهون شخصية ناصر القصبي في هذا الزمان، ممن يستغلون الدين والعقيدة لترويج بضاعة فاسدة غايتها التكسب الشعبي، ضماناً للبقاء على الكراسي الفانية.
لا ريب ولا شك في حبنا لهادي الأمة صلى الله عليه وسلم، فبأبي وأمي أنت يا رسول الله، لكن عندما يشرع النواب بسن قانون لتعزير كل من تسول له نفسه مس أو تجريح المصطفى حبيب الرحمن، فلا بد أن يخرج هذا القانون مدعوماً بأساس علمي وفقهي، وبعد دراسة متأنية متبصرة في آثاره، بعيداً عن اللعب على وتر العاطفة الدينية، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى خطورة العقوبة المرصودة جزاءً للفعل والتي تصل لحد الإعدام والسجن المؤبد.
لا نريد لأحد أن يراهن على حبنا لنبينا، ولا نريد لأحد أن يستغل الدين في ترويج بضاعته علينا، نريد من حكمة وتدبر وتأن في امورنا العامة.
في الختام، فإن لم أكن مخطأً فأنا لم أسمع بأن أحداً من الصحابة أو التابعين أو من جاء بعدهم قتل انساناً قبل استتابته بسبب التعدي على الرسول صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.

تذكرون،،، ومن منا نسي أو غاب عن ذهنه مشهد خروج الحشود إلى ساحة الإرادة قبل زمن ليس ببعيد، استجابة لصافرة نفخ فيها »ضمير الأمة« معلناً اكتشافه لجريمة العصر، فانقاد كثير من الناس وراء اتهامات أطلقها النائب صاحب الحنجرة الصياحة وجزم فيها بارتكاب سمو الشيخ ناصر المحمد لجريمة تدنيس حرمة الأموال العامة والتي عرفت بقضية الايداعات المليونية.
وقد رأينا النائب الفاضل ضمير الأمة يلوح بأوراق حملتها يده تارةً وعرضتها شاشة سينمائية تارة أخرى، زاعماً أنها أدلة قاطعة على تورط رئيس الحكومة السابق في جريمة سرقة أموال الشعب.
وبعد أن خرج الناس للشوارع والساحات وبعد أن تبهدلت الديرة وتخلخلت أركان الأمن في بلد الأمان، تبين اليوم أن ما كان يظنه الكثيرون حقيقة نطق بها لسان صادق أمين مُعبر عن ضمير الأمة، ما هو إلا إفك عظيم، وكذب على الذقون، كشفته ومازالت حلقات تحقيق لجنة الايداع المليونية يوماً بعد يوم.
فمن قال بالأمس للناس ان بين يديه أدلة دامغة على جريمة العصر، نراه يستنجد اليوم بالناس العوام كي يمدوه بمعلومة أو ورقة من هنا وهناك، ليبني عليها قضية كبيت العنكبوت.
كيف صدق الناس كذبة الإيداعات المليونية بغير دليل أبلج، يبيح لهم رجم ذمم الغافلين باتهام دنس كاتهام سرقة أموال الشعب، لكنه الجهل والتسرع وقلة الحكمة، هي من كان سيدهم ومحرك هؤلاء المتسرعين صوب ساحة الإرادة، وقد قال تعالى (وإن كثيراً من الناس لفاسقون) فالعقلاء قليلون وما أكثر الجهال في هذا الزمان.
يجب أن لا يُفهم من قولي فيما مضى أنني أنفي أو حتى استبعد صدق ادعاء من قال بوقوع جريمة تعد على المال العام، فهذا أمر مازال سره في بطن الغيب وستكشف عن مكنونه أحكام قضاء عادل نزيه لا تأخذه في الحق لومة لائم، لكن المراد مما سبق هو التأكيد على أصل عظيم غائب عن الكثيرين، علمنا إياه خالق البشر جل علاه، عندما أمرنا بأن لا ننجرف وراء اتهام تسمعه آذاننا ولا يتبصره فؤادنا، فنأخذ الناس بالظن، جهالة منا، وعندها يصدق فينا قول الحق عز وجل( إن جاءكم فاسقٍ بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).
يحق لنا أن نسأل اليوم ضمير الأمة ونحاسبه على الأدلة التي زعم أنها ملك يمينه، أين هي من أوراق التحقيق الذي يجريه مجلس الأمة في قضية الايداعات المليونية، وإن كنت تملكها فعلاًَ فلماذا إذن أعلنت دعوة للجمهور من خلال لجنة التحقيق المشكلة ليمدوها بأدلة وبيانات عجزت أنت عن كشفها وأنت من تسمي نفسك ضمير الأمة، ولك سلطانك على خفايا الأمور بحكم منصبك، فهل يملك المواطن العادي معلومات أكثر من التي يملكها ضمير الأمة ؟
إن الشعوب في كل وطن ينقسمون إلى مجموعتين، مجموعة العقلاء أصحاب الحكمة والتعقل وتدبر الأمور بروية، ومجموعة السفهاء المتهورين ممن يسهل اقتيادهم بغير عناء، فتراهم يلهثون خلف صوت أي جرس حتى لو كان فيه هلاكهم، تحركهم العاطفة فقط، ولا يتبصرون لعواقب الأمور، فلينظر كل منا في أي مجموعة يريد أن يكون؟

الإثنين, 26 مارس 2012

الولاء للعصبية

هل اقتحام مجموعة من الأفراد لقناة تلفزيونية والعبث في أرجائها تكسيراً وتدميراً، واشاعة الرعب والفزع في نفوس الآمنين تحت تأثير فورة الغضب العصبي انتقاماً لكرامة رمزهم صاحب الاجلال عندهم، يُعتبر تضحية بالولاء الوطني لمصلحة الولاء الطائفي أو القبلي؟
ان عبارة الولاء الوطني، عبارة واسعة وعظمية ويندرج تحتها معان كثيرة، فالحفاظ على أمن الوطن صورة من صور الولاء له، واحترام سلطاته وقوانينه أيضاً يعتبر ولاءً له، ومحاربة الفتنة والامتناع عن اشعال شرارتها ولاءً له، وغير هذا وذاك هناك الكثير من الواجبات يفرضها علينا واجب الولاء للوطن.
اذن هل كان من المفترض في هؤلاء النفر أن يكبحوا جماح غيرتهم على كرامة قبيلتهم بلجام الولاء للوطن، أم من الممكن أن نلتمس لهم العذر متى تفكرنا بالسبب والباعث لارتكاب ما أقدموا عليه من أفعال؟
لو أننا في دولة قانون حقاً فيها حكومة حريصة على تطبيق القانون على الجميع بعدالة وانصاف لا يخلو من الحزم، لكانت الاجابة بنعم، ولو أحس هؤلاء النفر بأن قصاصهم ممن آذاهم ولا ريب سيتحقق على يد سلطة ترعى مصالح جميع أطياف المجتمع بلا محاباة أو انحياز لطرف على حساب طرف، لكانت الاجابة ولا شك ستكون نعم، بل لو كان هذا هو احساس وايمان هؤلاء النفر بسلطة بلادهم ما أظنهم كانوا سيقدمون على المساس بأمن الوطن وتعريض استقراره للخطر.
لكن للأسف وهي حقيقة لا أظنها تغيب عن الناظر، فقد بات الشعب الكويتي مؤمن بأنه في دولة لا يؤخذ فيها الحق الا بالقوة أو على أقل تقدير بالحيلة عند الضعيف، وبلغ الشعب حد الكفر بدولة القانون، نتيجة لمواقف السلطة وطريقة تعاملها مع الكثير من الازمات التي مرت على البلاد في الماضي القريب.
لهذا فانني قد لا ألوم كثيراً مقتحمي قناة سكوب، كما لا أعيب كثيراً على مقتحمي قناة الوطن من قبلهم، ان هم حاولوا القصاص من خصمهم بقوة الذراع.
كما أنني قد أعذر موظفي الجمارك في اضرابهم الذي شل البلاد لأيام، وهدد شعبها وأطفالها بالجوع ونقص المؤن، ان هم رأوا بأن لا وسيلة أخرى لنيل حقهم سوى بمناطحة الدولة ولي ذراعها بالقوة لاجبارها على الرضوخ لمطلبهم، الذي طالما نادوا به بصوت القانون والعدالة ولم يجدوا من الحكومة حينها أذنٌ صاغية.
لذلك أعتقد بأنه من الواجب قبل أن نلقي باللائمة أو نندد بتصرفات هؤلاء وهؤلاء، أن نفكر ملياً في السبب الذي دفع بهم وشجعهم على ارتكاب أفعال تحمل معنى العقوق بالولاء الوطني.
وعلى الدولة أن تعي بأنها تسير في طريق تدمير المواطن الكويتي، وقتل روح الولاء الوطني في نفسه، ان هي استمرت على رخاوتها وترددها وتجاوزها على قواعد العدالة في تعاملها مع أحداث عامة فيها تهديد لأمن واستقرار ووحدة الوطن، ولا منجى منها سوى بالجمع بلا هوانه ما بين الحزم والعدالة اللذين يشكلان أداة مهمة من أدوات بناء دولة القانون، هذا ان كانت حكومتنا تريد حقاً بناء دولة قانون؟

الثلاثاء, 20 مارس 2012

مجلس رد السجون هذه أولوياته

عدد ليس بالقليل من النواب الحاليين، جاؤوا الى مجلس الأمة من خلف قضبان السجن، بسبب مواقف عامة وآراء سياسية، وذاقوا مرارة الحبس وقهره، قبل أن ينعموا براحة الجلوس على الكرسي الأخضر، ودفء بشت النائب المُبجل، ومتعة التنقل بسيارة المجلس الألمانية من آخر طراز، لذلك فليس بالغريب أن جاء اليه هؤلاء النواب مغمورون بحقد دفين وسخط عظيم على السلطة ورموزها.
ولن أكون متشائماً أو متجنياً عليهم ان قلت ان أمثال هؤلاء النواب لن يقدموا للشعب سوى الخراب والدمار، فالعواطف هي من تحكم عملهم وتقودهم، ورغبة الانتقام ستكون أول همهم، أما أحلام التنمية، وحمل مصالح البلاد على الأكتاف فستكون في آخر أولوياتهم.
لقد رأينا وسنرى في المستقبل، انحرافاً منهم شديداً باستخدام الأدوات الدستورية، وتطويعها لخدمة أهدافهم الانتقامية، من رموز السلطتين التنفيذية والقضائية، فهاتان السلطتان في نظرهم العدو اللدود الذي نكل بهم، والآن قد حانت ساعة القصاص.
فأول استجواب جاء به هؤلاء النفر قبل أن يتنفس بيت الشعب الصعداء، المرهق بأحداث الماضي، كان استجواباً شخصانياً مثيراً للفتنة، تركز محوره في تأنيب رئيس الحكومة على تطبيقه للقانون بحق فئة معينة اقتحمت قناة الوطن، للقصاص من خصمهم بقوة الذراع، فكان استجوابه مثيراً للفتنة، بدلاً من أن يكون استجواباً لخدمة هموم المواطن ومشاكل الوطن الرئيسية، وبناء الانسان، وشد النسيج الاجتماعي، ومحاربة الفرقة والفتن الطائفية المحيقة بالكويت.
ثم تلاه استجواب نائب آخر، كان قد احتجز بأمر النيابة العامة بتهمة غسيل الأموال، وعندما عاد لأحضان المجلس، كان أول همه تسطير استجواب أقرب ما يكون لمذكرة دفاع شخصية مضمونها تبرئة ذمته المالية أمام الملأ، وتأنيب رأس السلطة التنفيذية بسبب اقدامها على احالته للنيابة العامة، ومحاولة التأثير على حكم القضاء في أمر اتهامه الذي لا زال معروضاً لم يُفصل فيه بعد.
ومن بعد هذا وذاك، خرجت كتلة الشعبي باقتراح بقانون غايته تقويض وتحجيم المجلس الأعلى للقضاء، وترهيبه ومعاقبته على مواقف الماضي معهم، وهو الاقتراح الذي يرمي الى تقليص مدة البقاء في المناصب القيادية في المحاكم »مثل منصب النائب العام« الذي كان له دور في حجز نواب حاليين محسوبين كأنصار للكتلة، بما لا يجاوز ثلاث سنوات، وان تكون آلية الاختيار للمناصب القيادية بالانتخاب من بين أعضاء الجمعية العمومية للقضاء.
واذا كان أصحاب هذا المقترح يبررونه بحجة ابعاد يد السلطة التنفيذية عن تعيين المناصب القيادية في السلطة القضائية، فهو تدليس لا ينطلي على صاحب الاختصاص، فالاقتراح في حقيقته انما هو رغبة بغل يد المجلس الأعلى للقضاء عن تلك المناصب، ومحاولة لتجريده من بعض سلطاته، فلماذا تتقلص المدة الى ثلاث سنوات في المناصب القيادية القضائية، بينما المدة في الوظائف القيادية الأخرى تسمح ببقاء أصحابها في الوزارات مدة أربع سنوات قابلة للتجديد.
وللذاكرة فان أحد النواب الحاليين وهو ممن أنكوى بنار الحبس والتنكيل، ومحسوب على كتلة الشعبي، يقيم نفسه وباقرار لسانه خصماً لدوداً للمجلس الأعلى للقضاء، بسبب رفض المجلس تعيينه في وظيفة وكيل للنائب العام، وقت أن تقدم بطلبه اليه بعد تخرجه في كلية الحقوق، الأمر الذي دفع بصاحبنا حينها الى مخاصمة القرار بدعوى قضائية كانت نتيجتها الفشل، فان كانت هذه هي أولياتهم فالله يستر من تاليهم.

الصفحة 1 من 17